رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

حيثما يوجد المخرج الكبير خالد جلال يوجد الإبداع، فهو قرينه الدائم وعنوانه الأبرز. لم يكن حضوري لعرض حواديت مجرد متابعة لمسرحية جديدة من إنتاج مركز الإبداع الفني، بل كان لحظة إنسانية وفنية استثنائية أعادت إلى ذاكرتي صداقة قديمة تربطني بخالد جلال منذ سنوات طويلة كشاهد علي ابداعاته . صداقة أفتخر بها لأنها لم تبن فقط على المودة الإنسانية، بل على تقدير متبادل لقيمة الفن، وعلى إيمان مشترك بأن المسرح رسالة لا تنطفئ مهما تبدلت الظروف. منذ سنوات وأنا حريص على حضور أعماله ومتابعة ما يقدمه في مركز الإبداع، إيمانًا مني بأن كل تجربة يوقعها جلال تحمل بصمة خاصة وتضيف لبنة جديدة في صرح المسرح المصري بل الفن المصري فهو صانع النجوم ، فكل عرض من عروضه هو بمثابة اكتشاف لعوالم جديدة وطاقات شبابية تمنح الخشبة حياة متجددة، ليظل مركز الإبداع بحق مدرسة تضيء الحاضر وتبني المستقبل.

مسرحية حواديت التي قدمها طلاب المركز لم تكن عرضًا تقليديًا أو مجرد مشروع تخرج، بل كانت تجربة إنسانية وجمالية مكتملة الأركان، جسّدت جوهر فلسفة خالد جلال في العمل مع الأجيال الجديدة. فالمسرح عنده ليس ساحة لاستعراض نجم واحد، بل مساحة رحبة يتقاسمها الجميع ليصبحوا كتلة إبداعية متكاملة.في حواديت وزعت البطولة على كل المشاركين، حتى بدا كل ممثل وكأنه بطل مستقل، وفي الوقت نفسه جزء من لوحة جماعية مكتملة الألوان، لا يمكن فصل أجزائها عن بعضها البعض.

"اللافت أن العرض الذي حمل اسم دفعة علي فايز، والتي عُرفت أيضًا بـ دفعة الصبر، ارتبط بظروف إنسانية قاسية؛ فقد تأخر تخرجها بسبب رحيل علي فايز، ثم ما واجهه أحمد هاني من حادث سير مروّع." ، أن العديد من الأسماء الشابة استطاعت أن تفرض حضورها بقوة مثل إسراء حامد، صلاح الدالي، أحمد شاهين، نادين خالد، طارق الشريف، أحمد هاني، نيفين رفعت، ورنا عطوفة، وغيرهم ممن قدموا شخصيات نابضة بالحياة، عكست صدق التجربة الإنسانية. هذا الجيل الشاب برهن أن مركز الإبداع ما زال مصنعًا للطاقات الواعدة، التي ستتحول قريبًا إلى أسماء لامعة في سماء الفن، شأن زملائهم السابقين الذين انطلقوا من هذه المدرسة وصاروا علامات بارزة في الدراما والسينما والمسرح، مثل محمد فراج، محمد ممدوح، محمد شاهين، وسامح حسين، وغيرهم من النجوم. وما يميز هذه الدفعة أنها ضمّت أيضًا وجوهًا عربية من المغرب والسعودية، وهو ما يعكس امتداد تأثير المركز خارج حدود مصر وتحوله إلى منصة عربية لصناعة المواهب وصياغة جيل جديد من الفنانين.

إن تجربة بل تجارب خالد جلال تقوم على ما هو أبعد من التدريب التقليدي. فهو لا يكتفي بتعليم تقنيات الأداء، بل يزرع في الممثلين قيمة الالتزام وروح الفريق، ويدربهم على التعامل مع الخشبة باعتبارها حياة كاملة وليست مجرد مساحة للتمثيل. في حواديت لم يكتفِ الشباب بتجسيد شخصيات مكتوبة على الورق، بل أعادوا صياغتها من داخلهم باحساس رائع وتفاعل الفنان في الاداء ، وملأوها بصدق التجربة الإنسانية، حتى بدا المتفرج وكأنه يرى انعكاسًا من حياته اليومية على الخشبة.

أجمل ما في العرض أنه بدأ بمشهد رمزي مؤثر، حين ظهرت شهرزاد وهي تفتح كتابها لتقص أولى الحكايات، وكانت الحكاية الأولى عن نشأة مركز الإبداع نفسه وحكاها خالد جلال بنفسه . هذا المشهد لم يكن مجرد افتتاح تقليدي، بل كان إعلانًا أن المركز لم يعد مجرد معهد للتدريب، بل هو حكاية كبرى تحتضن كل الحكايات. لقد جعل خالد جلال من المكان ذاته بطلًا ضمن نسيج العرض، ليصبح المسرح أحد الشخصيات الفاعلة في النص، كأنه يبوح هو الآخر بحكايته الخاصة، منذ لحظة التأسيس وحتى احتضان مواهب جديدة في كل دفعة.
البنية الدرامية في حواديت قامت على ما يمكن وصفه بـ"التشظي السردي"، أي أن الحكاية لم تُبْنَ على خط درامي واحد يسير من البداية إلى النهاية، بل توزعت إلى مقاطع ومشاهد مستقلة تبدو منفصلة في ظاهرها، لكنها ما تلبث أن تتكامل لتشكّل في النهاية صورة أشمل ومعنى أعمق. لم يقدّم خالد جلال قصة تقليدية ذات بداية ووسط وخاتمة، وإنما نسج مجموعة من الحكايات الصغيرة؛ منها ما يستعيد نشأة مركز الإبداع، ومنها ما يرصد ملامح اجتماعية وإنسانية، ومنها ما يحمل طابعًا كوميديًا قائمًا على كوميديا الموقف التي أضحكتني وأضحكت قاعة العرض من القلب بعد أن فقدت الأمل في أن أجد هذه الروح في الكوميديا المصرية المعاصرة، ومنها ما اتسم بتراجيديا قوية تمس الوجدان بعمق. هذه الحكايات، على تنوعها، التقت لتصنع لوحة فسيفسائية تعكس تنوع التجربة الإنسانية وتشابكها.
ورغم أن هذا الأسلوب يحمل خطر التشتت وفقدان الخيط الناظم، فإن جلال استطاع بوعي إخراجي وصياغة ورؤية أن يضبط الإيقاع ويمنح العرض تناغمًا بصريًا وحركيًا يحول التعدد إلى طاقة درامية فاعلة. وهكذا بقي المتفرج متماسك الانتباه، يتنقل من قصة إلى أخرى دون أن يشعر بانقطاع او ملل ، بل كأنه يكتشف شبكة من الحكايات المتجاورة، كل منها يقود إلى الآخر، لتتشكل في النهاية صورة للمجتمع ذاته في تنوعه وتناقضاته وعلاقاته الإنسانية.
الأداء التمثيلي تميز بالصدق والقوة، لكن قيمته الأهم تجلت في الروح الجماعية التي بدت رافضة تمامًا لمنطق النجم الفرد " كلهم نجوم لوحة فنية مسرحية رسمت باتقان شديد " . هنا يكمن جوهر تجربة مركز الإبداع، حيث يُزرع في الممثلين منذ البداية أن المسرح حياة مشتركة أكثر منه عرضًا فرديًا. هذه الروح هي ما جعلت الجمهور يتفاعل مع العرض في صورته الكاملة، لا مع مشهد أو شخصية بعينها.

رمزية استدعاء شهرزاد لم تكن مجرد إطار جمالي، بل كانت إعلانًا أن الحكاية وسيلة للنجاة من النسيان والهشاشة الاجتماعية. تمامًا كما أن شهرزاد حكت لتنقذ حياتها، فإن خالد جلال يجعل من الحكاية وسيلة لحماية الذاكرة الإنسانية من التلاشي. لقد بدا العرض وكأنه يؤرّخ للعادي واليومي، في مواجهة السرديات الكبرى التي كثيرًا ما تتجاهل تفاصيل الناس البسيطة.
ومع تنوع الحكايات وكثافتها، بدا واضحًا أن خالد جلال أراد أن يقدّم بانوراما واسعة للحياة اليومية، لا أن يغوص في تفاصيل شخصية واحدة بعينها، وكأن الرسالة أن التجربة الإنسانية لا تُختزل في فرد أو موقف، بل تتشكل من مجموع هذه القصص الصغيرة التي تتجاور لتصنع صورة كلية أوسع وأغنى. حتى الجرعات الكوميدية التي وزعها في ثنايا العرض لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت متنفسًا يوازن التراجيديا الإنسانية، فيغدو الضحك هنا بوابة لفهم أعمق وأصدق لتقلبات الواقع.
المسرح عند خالد جلال ليس ترفًا فنيًا، بل هو رسالة وعي وجسر للتواصل بين الناس وبين الفن والحياة. لذلك جاءت حواديت وكأنها انعكاس لمجتمع كامل يواجه تحدياته، ويعيش تفاصيل الأفراح والأحزان، ويبحث عن معنى وجوده وسط تغيرات متلاحقة. لقد نجح العرض في تقديم شخصيات متعددة تمثل شرائح مختلفة من المجتمع، بلغة بسيطة وأداء صادق، ليصل بسهولة إلى وجدان الجمهور.

الجانب الإخراجي كشف عن بصمة جلال الواضحة. فهو يعرف كيف يوظف طاقات الممثلين ويخلق التوازن بينهم فلا يطغى أحد على الآخر، كما أن اختياره للنصوص التي تستلهم روح الحكايات الشعبية عكس حرصه على إعادة تقديم التراث برؤية معاصرة، قادرة على لمس المتفرج اليومي من دون أن تفقد أصالتها. وجاءت عناصر العرض من ديكور وإضاءة لتكمل هذه الرؤية، فتحولت الخشبة إلى مساحة نابضة بالحياة، قادرة على الانتقال بالجمهور من مشهد إلى آخر بسلاسة وجمال.

من خلال حضوري العرض، شعرت أن خالد جلال يواصل مشروعه الكبير في بناء جيل جديد من الفنانين الذين يملكون أدواتهم الفنية والفكرية، ويستطيعون أن يقدموا فنًا حقيقيًا بعيدًا عن الاستسهال والابتذال. إنه مشروع لا يعرف التوقف، يقوم على البحث والتنقيب عن المواهب، وصقلها، ومنحها الفرصة الحقيقية للوقوف أمام الجمهور. من هنا يبدو مركز الإبداع الفني أشبه بورشة ومدرسة دائمة للحياة الفنية المصرية، تُعيد إلى المسرح روحه الأصيلة.
إن حرصي على متابعة هذه الأعمال ليس مجرد علاقة شخصية بصديق عزيز، بل لأنه واجب على كل من يؤمن بدور المسرح في تشكيل وعي المجتمع. العروض التي يقدمها خالد جلال تبرهن أن المسرح ما زال قادرًا على أن يكون مرآة للناس، ووسيلة للتغيير الإيجابي.
إن حضوري ومشاهدتي لـ حواديت خالد جلال تفتح أمامنا نافذة أمل بأن لدينا طاقات جديدة قادرة على قيادة المستقبل، وأن فننا بخير طالما وجد من يؤمن به ويرعاه بهذه الروح المخلصة. ولا شك أن مركز الإبداع الفني أصبح اليوم بمثابة الرافد الأهم الذي يمد السينما والمسرح والدراما في مصر بمواهب مدرَّبة وأدوات فنية راسخة، ليؤكد أن المستقبل يُبنى على هذه المدرسة الاستثنائية التي أسسها خالد جلال.

لقد أثبت عرض حواديت أن الفن الحقيقي لا يموت، وأن المسرح يظل حيًا ومتجددًا طالما هناك مخرج مثل خالد جلال يؤمن برسالته، وطالما هناك شباب متعطش للإبداع مستعد أن يضع كل طاقته في خدمة عمل جماعي. لقد بدت الحكايات المعروضة على الخشبة وكأنها مواقف إنسانية تمس كل متفرج وتدعوه للتفكير في ذاته وفي محيطه وفي المجتمع الذي ينتمي إليه.

أخيرًا،

خالد جلال بهذا العرض، وغيره من التجارب التي قدمها عبر مركز الإبداع، يعيد للمسرح المصري جزءًا من روحه المفقودة. يؤكد أن الخشبة ما زالت قادرة على أن تكون منبرًا للجمال والوعي والتجديد. حضوره في المشهد الفني ليس حدثًا عابرًا، بل مشروع ممتد ومتجذر، يثبت مع كل عمل أن الفن رسالة ومسؤولية، وأن المسرح هو الذاكرة الحية للأمة ووجدانها الجمعي، يمكن القول إن حواديت لم يكن مجرد عرض ناجح، بل كان مناسبة لتجديد الثقة في أن لدينا صناع مسرح حقيقيين قادرين على حمل الشعلة ومواصلة الطريق، وأن مركز الإبداع الفني سيظل منارة تضيء الدرب لشباب موهوبين يحلمون ويجتهدون ويثبتون أن المسرح سيبقى دائمًا رسالة لا تعرف الانطفاء فمن خشبة مركز الإبداع "انطلقت حواديت خالد جلال لتكتب ميلاد جيل مسرحي جديد يتلألأ في سماء الفن المصري."
كما كشفت حواديت عن قدرة حقيقية على استعادة روح الكوميديا المصرية الأصيلة، فالكوميديا التي قدّمها العرض كانت كوميديا الموقف، تلك التي تنبع من صدق المواقف وتفاصيل الشخصيات، وليست مجرد إفيهات عابرة أو مفتعلة. وأشهد أنني ضحكت من القلب، كما ضحك جمهور القاعة بكاملها، في لحظات صافية أعادت إلينا الأمل بأننا ما زلنا قادرين على صناعة الكوميديا التي تُضحك للمتعة الخالصة، لا للتسلية الرخيصة. وفي المقابل، جاءت لحظات التراجيديا قوية وعميقة، مما جعل التفاعل مع العرض يتجاوز حدود المتعة إلى تجربة وجدانية متكاملة، يتنقل فيها المشاهد بين الضحك والتأمل والتأثر الإنساني.
مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة