رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

حتي من قبل كشف الرئيس الامريكي، دونالد ترامب، لخريطته التي توضح ان موسكو باتت تسيطر تقريبا علي جميع المقاطعات الاربعة الاوكرانية المتاخمة لحدود روسيا الغربية، فان لقاء الاسكا قد حسم المعركة السياسية بالفعل لصالح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين.
خريطة ترامب المدعومة بتفاصيل استخباراتية دقيقة، والتي عرضها علي الرئيس الاوكراني خلال لقاءه الثاني في البيت الابيض مع قادة اوروبا الذين أتوا الي واشنطن لوضع الاطار العام لعملية السلام المحتملة، تشير الي ان روسيا تحتل حاليا نحو خُمس الأراضي الأوكرانية، حتي انه لدقة التفاصيل طلب زيلينسكي نسخة منها.
هذه الخريطة كانت صادمة ليس فقط للرئيس الاوكراني الذي حاول الجدال في بعض تفاصيلها، لكن أيضا لقادة كل من فرنسا، انجلترا، المانيا، ايطاليا. فلم يستطع أي منهم التعلل بمزاعم النجاحات العسكرية للجيش الاوكراني، في الوقت الذي يعلم فيه الجميع ان روسيا حتي الان لم تدخل في حرب فعلية مع اوكرانيا وان ما يحدث هناك هو مجرد عمليات عسكرية محدودة قليلة التكلفة.
الخريطة، كانت بمثابة رسالة واضحة من البيت الأبيض إلى أوكرانيا وحلفائها الاوروبيين لا لبس فيها. لقد اختفت تلك الأراضي، وحان الوقت للنظر في تسوية حقيقية مع بوتين، قبل ان تختفي اوكرانيا نفسها من علي الخريطة اذا قرر الأخير تحويلها الي حرب شاملة.
تفاصيل اجتماعات واشنطن منتصف الاسبوع الماضي أكثر إثارة للاهتمام، وربما تعيد صياغة الكثير من التحالفات سواء الاوروبية -الاوروبية او الاوروبية – الامريكية.
زيلينسكي ومنذ اللحظة التي أثنى فيها ترامب على بذلته ورابطة عنقه - وصولا إلى علاقة نائب الرئيس جي دي فانس السهلة مع الرئيس الأوكراني قدم الشكر الي الرئيس الامريكي 13 مرة في اقل من دقيقة ونصف من اللقاء. وكان اللقاء مختلفا تماما عن اجتماع فبراير الكارثي التي تعرض فيها لكثير من الاهانة على الهواء مباشرة.
أثبت الأوروبيون أنهم قادرون على صناعة الأزمات وليس حلها. الاختلاف. والدليل أن كل قادة اوروبا لم يستطيعوا سوى توريط امريكا عسكريا وماليا في حرب علي ارضهم طوال فترة حكم الرئيس السابق جو بايدن. لكن الصورة اختلفت تماما في اجتماعات واشنطن، كان قادة أوروبا إيجابيين، وتبنوا وجهة نظر ترامب من الصراع لأنهم في الحقيقة كان يدركون جيدا انها حرب أوروبية أكثر من كونها حربا أمريكية ، لكن أيا منهم لم يكن يريد التورط مباشرة في صراع مع روسيا.
رؤية ترامب لإنهاء الصراع التي تغيرت في لقاء الاسكا من اتفاق لوقف العمليات العسكرية، الي اتفاق سلام شامل بما في ذلك التعامل مع انهاء اسباب الحرب من جذورها بما يتناسب مع خريطة الصراع الحالية وموازين القوى، اصبح هي تماما ما يتبناه القادة في اوروبا بعد اجتماع واشنطن. الان الجميع بات يرفض انضمام اوكرانيا لحلف الناتو، ويتقبل فكرة مبادلة الارض بالسلام.
ملف "الضمانات الأمنية" طاله التغيير، بالنسبة لبوتين، فان موقفه تحول من اللاءات الثلاثة- لا للانضمام للناتو, لا لمشاركة قوات الناتو في حفظ السلام، لا لقوات اوروبية في اوكرانيا، الي الموافقة على ضمانات امريكية لكييف ودعم عسكري مدفوع الثمن من واشنطن للجيش الاوكراني، مع عدم وجود أي قوات أمريكية علي الأرض. هذا بالفعل ما كشفته وثيقة نشرتها صحيفة "فاينانشيال تايمز" تعرض بموجبها أوكرانيا على الولايات المتحدة صفقة أسلحة كبرى تبلغ قيمتها حوالي 100 مليار دولار لتأمين ضمانات أمنية أمريكية. ووفقا للوثيقة ، التي شاركتها كييف مع حلفائها الأوروبيين قبل القمة ، ستمول الدول الأوروبية عملية الشراء ، بما في ذلك ما لا يقل عن 10 أنظمة دفاع جوي باتريوت لحماية المدن الأوكرانية.

بالإضافة إلى صفقة الأسلحة، تقترح كييف مشروعا مشتركا بقيمة 50 مليار دولار للمشاركة في إنتاج طائرات بدون طيار مع الشركات الأوكرانية، والاستفادة من خبرتها الواسعة في زمن الحرب. وليس من قبيل المصادفة ان تتم صياغة الاقتراح ليتماشى مع أولويات الرئيس ترامب.
بالفعل يمكن أن تكون هذه الضمانات الأمنية نقطة شائكة على الصعيد الدولي. لا يزال من غير الواضح مدى حجم التزام الولايات المتحدة، وهذه الضمانات نفسها يمكن أن تكون مشكلة لترامب محليا. وهل لدى الإدارة خط أحمر عندما يتعلق الأمر بإلزام القوات الأمريكية بالحفاظ على السلام في أوكرانيا؟.
الصورة التذكارية التي تم التقاطها في البيت الأبيض لاجتماع يوم الاثنين، توكد ان ترامب حقق نصرا كبيرا علي نظرائه في اوروبا، وكانت الرسالة واضحة.." من يريد الصراع مع روسيا فعليه ان يقوم هو بتمويلها ومن يريد السلام عليه قراءة موازين القوي الفعلية وليس التاريخية او الجغرافية.. اما ترامب، فانه رجل صفقات ناجح ولا يريد التورط في حروب ، وهو في عجلة من امره للفوز بجائزة نوبل ولم يبقي امامه الكثير من الوقت.. وهو يدرك جيدا أنه بدون دعم أمريكي المالي والعسكري لأوكرانيا فان الطريق امام القوات الروسية سيكون ممهدا الي ما هو ابعد من ذلك.
خريطة ترامب في اجتماعات واشنطن يوم الاثنين الماضي حسمت العديد من القضايا، وأعادت الجميع الي ارض الواقع، ان موازين القوي هي التي تصنع الحقائق بغض النظر عن عدالتها او مدي شرعيتها.. وما تبقي من رتوش هو لحفظ ماء وجه زعماء اوروبا.. هذه هي قوانين السياسة للأسف.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة