رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


وراء كل صمت حكاية لم تُروَ، وجُرح لم يُشفَ، ووَجع لم يُفصَح عنه. وداخل كلٍّ منّا شخص آخر لا يراه أحد، ولا يُدركه أحد. لهذا، لا تظن يومًا أنك تعرف إنسانًا كما تعرف نفسك، فكل نفسٍ بحرٌ عميق، مليء بالأسرار والمشاعر التي لا تُرى، والمواقف التي لا تُنسى.
في زمن صاخب بالتريند والجدال ومعارك التفاهة التي تضيع في سراديبها المعاني، يصبح الصمت ملاذًا لا ضعفًا، ونجاة لا هروبًا. هو ملجأ النفوس المرهقة، التي أنهكها التفسير، واستنزفتها المعارك الوهمية التي لا طائل منها إلا الخسائر. نلوذ بالصمت حين ندرك أن لا جدوى من تكرار الحديث، وأن الكلمات التي كانت يومًا قادرة على التعبير، أصبحت صماء بلا صدى، وكأنها تذهب في الهواء ولا تعود.
الصمت أحيانًا أبلغ من أي كلام، وأصدق من أي تبرير. نختاره حين نشعر أن الحديث لم يعد يُغيّر شيئًا، وأن كل محاولة للتفاهم صارت عبثًا. نصمت حين نُخذل، حين نُرهَق، حين لا نعود نملك القدرة على الشرح، لا لأننا لا نعرف ما نقول، بل لأننا أدركنا أن من لا يريد أن يفهم، لن يفهم، ولو قدمنا له كل أدلة الإثبات واليقين والحجج الداحضة.
قد نتحدث أمام الناس، ونضحك، ونبدو بخير، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. فكم من شخصٍ يبتسم أمام الآخرين، وهو في داخله يبكي بصمت، ينهار بصمت، ويصرخ دون أن يسمعه أحد. كم من نفسٍ مرّت بليالٍ طويلة من الألم، ولم تقل شيئًا، فقط اكتفت بالصمت، وكأنها تعاقب العالم بعدم البوح. الصمت هنا ليس انسحابًا، بل قوة، بلاغة، موقف. فالكلام ليس دائمًا حلًّا، وفي أحيان كثيرة، يكون الصمت هو الحل الوحيد.
وليس غريبًا أن يُعلّمنا الهدي النبوي أن الصمت أحد مظاهر الإيمان، ففي الحديث الشريف يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت". دعوة واضحة لاختيار الكلمات كما نختار الأفعال، وأن يكون النطق فعلًا راشدًا لا عادةً عابرة. فالصمت هنا عبادة، سلوك، ووعي بأن الكلمة مسؤولية، وأن الخير ليس في كثرة الكلام، بل في صِدقه، ونقائه، وأثره.
في الصمت رحمة، ووقاية، ومساحة للتأمل. وفي الغياب، حضورٌ لا يقلّ تأثيرًا عن الوجود. بعض الغائبين يسكنون فينا أكثر من الحاضرين. يمرّون في ذاكرتنا، في أحلامنا، في مواقفنا التي لا يعرفها أحد. غيابهم لا يعني أننا نسينا، بل يعني أننا تعلمنا كيف نُخفي حضورهم خلف ابتسامة، أو تحت طبقاتٍ من الصمت. الغياب، كما الصمت، ليس دائمًا فراغًا، بل امتلاءً خفيًّا لا يراه سوانا.
في النهاية، نلجأ إلى الصمت حين تضيق بنا الحروف، حين يصبح الحديث جدارًا لا نافذة. نختاره لأننا نوقن أن السلام أحيانًا لا يكون في الرد، بل في الترفّع، في الانسحاب الهادئ، في الصمت الذي يقول كل شيء دون أن ينطق بشيء. هكذا يُصبح الصمت بلاغة، ويُصبح الغياب حضورًا، وتُصبح أعمارنا أغلى من أن نستهلكها في معارك لا تستحق، وحديث لا يُثمر، وعلاقات لا تُنقذ.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة