رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح


يعيش العالم منذ عقود طويلة واحدة من أكبر الأكاذيب السياسية والتاريخية التي رُوّجت في العصر الحديث أكذوبة "إسرائيل الكبرى". تلك الدولة التي وُلدت من رحم الاحتلال، وتغذت على الدماء والدمار، وحاولت أن ترسم لنفسها صورة كيان خالد يمتد من النيل إلى الفرات، بينما حقيقتها لا تتعدى كونها مشروعًا استعماريًا هشًا، يترنح أمام عوامل الزمن وصمود الشعوب.
( لم تولد أكذوبة إسرائيل الكبرى من فراغ، بل كانت نتاج تخطيط طويل بدأ في أروقة الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، حيث اجتمع قادة الصهاينة لوضع حلم "الدولة اليهودية" على أرض فلسطين، مُدعّمين مزاعمهم بأساطير دينية وتاريخية مزورة. وفي مؤتمر بازل بسويسرا عام 1897، وضع ثيودور هرتزل الأسس الفكرية لهذا المشروع، لتبدأ رحلة التزييف التي تستغل الدين غطاءً لأطماع سياسية

( ومنذ إعلان قيام إسرائيل عام 1948، اتخذت هذه الدولة الوليدة من "الأمن" ذريعة لابتلاع مزيد من الأراضي. فبعد أن كانت السيطرة على أجزاء من فلسطين هي الهدف المعلن، توسعت إسرائيل في حروب متتالية لتحتل الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان. كل ذلك كان يُسوّق على أنه دفاع عن النفس، بينما كان في الحقيقة تطبيقًا عمليًا لفكرة "إسرائيل الكبرى"، حيث تصبح الحدود مؤقتة قابلة للتوسع كلما سنحت الفرصة.

( ولطالما تغنت الدعاية الصهيونية بالخريطة المزعومة التي تمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق، معتبرة أن هذا هو "الوعد الإلهي" لشعب الله المختار. هذه الخريطة لم تكن سوى أداة لإرهاب شعوب المنطقة وإشعارهم بأن إسرائيل قوة لا تُقهر، وأن مشروعها قدر محتوم. لكن الواقع يكشف أن هذا الحلم ما هو إلا سراب، وأن قدرة إسرائيل على التوسع الفعلي تتضاءل عامًا بعد عام

منذ اللحظة الأولى، واجه المشروع الصهيوني مقاومة باسلة من الشعوب العربية والفلسطينيين على وجه الخصوص. الحروب العربية – الإسرائيلية، وانتفاضات الشعب الفلسطيني، وحركات المقاومة المسلحة، كانت جميعها شوكة في حلق المخطط الصهيوني. ففي كل مرة تحاول إسرائيل فرض واقع جديد بالقوة، تجد نفسها أمام إرادة شعبية ترفض الخضوع. وهذه المقاومة، بمختلف أشكالها، هي ما أفشل – وسيظل يفشل – حلم إسرائيل الكبرى.


على الصعيد القانوني، يُعدّ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والأراضي العربية الأخرى خرقًا صارخًا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، التي تؤكد جميعها عدم شرعية الاستيطان ووجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. ورغم الدعم الغربي، وخاصة من الولايات المتحدة، فإن صورة إسرائيل في العالم بدأت تتآكل بفعل جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان، ما يجعل مشروعها التوسعي أكثر عزلة .

تروّج إسرائيل لنفسها على أنها "معجزة اقتصادية" في قلب الشرق الأوسط، لكنها في الحقيقة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المساعدات الخارجية، خاصة الأمريكية. كما أن اقتصادها هش أمام التوترات الأمنية، فكل حرب أو مواجهة عسكرية تؤدي إلى خسائر فادحة في السياحة والاستثمار. هذا الضعف الاقتصادي هو أحد العوامل التي تجعل من التوسع الكبير مجرد حلم بعيد المنال.

والمتتبع للأحداث العسكرية في العقدين الأخيرين، خاصة الحروب على غزة والمواجهات مع حزب الله في لبنان، يجد أن الجيش الإسرائيلي ليس أسطورة لا تُهزم. فالقبة الحديدية التي تُسوّق على أنها درع لا يخترق، ثبت أنها ليست محصنة بالكامل. هذه الحقائق العسكرية تنسف أسطورة الجيش الذي يستطيع السيطرة على مساحات شاسعة من الأرض.

إن "إسرائيل الكبرى" ليست سوى أسطورة سياسية وإعلامية، صُممت لإخافة العرب وإحباط معنوياتهم. الواقع يقول إن هذا الكيان يواجه أزمات وجودية من الداخل والخارج، وأنه محاط بشعوب ترفضه وتقاومه. ومع مرور الوقت، تتكشف الأكذوبة أمام العالم، ويتضح أن المشروع الصهيوني، مهما طال عمره، محكوم عليه بالسقوط، لأن ما بُني على باطل فهو باطل ولن يدوم .

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة