الخط المفتوح
في زمن التحديات والأزمات، تُختبر حقيقة الانتماء، وتتجلى مواقف الرجال، ويُفرز الغثّ من السمين، والمخلص من المتخاذل. وليس من اختبار أقسى على الأوطان من أن تواجه مؤامرة أو عدوانًا أو حربًا فكرية أو إعلامية أو اقتصادية، ثم تجد بين أبنائها من يقف على الحياد، كأن الأمر لا يعنيه، وكأنّ الدفاع عن الوطن ليس واجبًا مقدّسًا، بل خيارًا شخصيًّا! هنا، يصبح الحياد جريمة أخلاقية ووطنية، لا تقلّ خطرًا عن الخيانة العلنية.
فالوطن ليس فكرة تحتمل الاتفاق والاختلاف، وليس رأيًا سياسيًا قابلاً للنقد أو المراجعة. الوطن هو الحضن، والانتماء، والهوية، والكرامة، والأمان. حين يُهدَّد الوطن، فكل ما سواه يصبح بلا قيمة، وتصبح كل القضايا الأخرى هامشية مقارنة ببقائه واستقراره.
الحياد في هذا الموقف ليس حكمة، بل خيانة ناعمة، وصمت قاتل أن تلتزم الصمت وأنت ترى وطنك يُهاجم، يعني أنك تُعطي الضوء الأخضر لأعدائه، وتمنح خصومه مساحة للمزيد من الطعن دون مقاومة ولا يمكن لأي معتدٍ أن ينجح إلا إذا وجد من أبناء الوطن من يخذلونه، أو يقفون مكتوفي الأيدي. والواقع يُثبت أن الحياد هو وقوف ضمني في صف العدو ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، والساكت عن الدفاع عن وطنه خائن صامت.
ففي معارك الوعي والإعلام، وفي الحرب النفسية، تكون الكلمة والسلوك والموقف أهم من السلاح. وحين تهاجم الحملات الإعلامية الممولة البلاد، وتبث السموم ضد الجيش أو القيادة أو الرموز الوطنية، فإن الوقوف على الحياد من قِبل البعض ، أو أصحاب المنصات المؤثرة، أو حتى المواطن البسيط، يمثل طعنة في ظهر الوطن.
فالدفاع عن الوطن لا يقتصر على حمل السلاح في الجبهة، بل يبدأ من الانتماء الصادق، والموقف الراسخ، والكلمة الحرة. كل فرد في المجتمع جندي في موقعه، وكل موقف له تأثير. المعلم في مدرسته، والفنان في رسالته، ورجل الدين في منبره، وحتى المواطن العادي في حديثه مع أسرته وجيرانه، كل هؤلاء مسئولون عن حماية الوطن، كلٌّ بحسب أدواته.
أن تكون محايدًا في زمن الاستهداف هو تخلٍّ عن دورك، وهروب من مسؤوليتك، واستقالة من مواطنتك. فكما أن الخيانة الصريحة جريمة يعاقب عليها القانون، فإن الحياد في أوقات الخطر يجب أن يُحاسَب أخلاقيًا، وأن يُواجَه مجتمعيًا.
في التاريخ دروس هي خير شاهد ، فقد كانت الهزائم الكبرى التي مُنيت بها الأوطان، غالبًا ما تبدأ من الداخل: بالتخاذل، أو بالصمت، أو بالحياد المتعمد.
في لحظات الشدة التي مرت بها مصر، سواء في حرب أكتوبر 1973 أو أثناء ثورة 30 يونيو، أو خلال مواجهة الإرهاب في سيناء، لم يكن الانتصار ممكنًا لولا اصطفاف الشعب، وغياب الحياد، ووقوف الجميع خلف الوطن.
في المقابل، رأينا كيف أن بعض الشخصيات والمنابر التي اختارت الحياد في مواجهة الجماعات المتطرفة أو الإعلام المضلل، فتحت الباب لانقسامات وموجات تشكيك كادت أن تعصف
الخطير والمؤلم أن بعض أعداء الوطن، خصوصًا من المتآمرين في الداخل أو المتواطئين في الخارج، يتلحّفون برداء الحياد ليُخفوا نواياهم. يزعمون الحياد بينما ينشرون الإحباط، ويشككون في الإنجازات، ويهاجمون مؤسسات الدولة تحت شعار "الرأي الحر"، وهم في الحقيقة يُنفّذون أجندات تخدم مصالح أعداء الأمة.
علينا أن نُفرّق بين الحياد الحقيقي في النقاشات العادية، وبين الحياد في قضايا الوطن المصيرية، فهذا الأخير ليس رأيًا، بل انحراف عن جادة الوطنية.
ما أحوجنا اليوم إلى ترسيخ ثقافة المواطنة الفاعلة التي تُربّي الأجيال على أن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل كيان يجب أن نحميه، ونفديه، ونصونه.
وذلك يبدأ من التعليم، والإعلام، والخطاب الديني، والمجتمع ككل. يجب أن نربّي أبناءنا على أن الدفاع عن الوطن ليس خيارًا بل واجبًا، وأن الحياد في هذا المقام ليس حيادًا، بل تخاذل وجبن.
الحياد في الدفاع عن الوطن جريمة، لأنه تواطؤ بالسكوت، ومشاركة في المؤامرة بصمت، وخذلان في وقت يحتاج فيه الوطن إلى كل صوت، وكل موقف، وكل ضمير حي.
فمن لم يكن مع الوطن في أوقات الخطر، فلا حق له أن يتحدث عن الانتماء، أو يتشدّق بالحرية.
الوطن لا يحتاج فقط إلى من يموتون في سبيله، بل إلى من يعيشون لأجله بصدق، ويقفون في وجه كل من يهدده قولًا وفعلا .