طيب القول
تحتضن القاهرةُ، بلد الأزهر الشريف- الثلاثاء والأربعاء 12 – 13 أغسطس الجاري- المؤتمر الدولي العاشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، والذى يُعقَد تحت رعاية فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، بمشاركة مُفتِين وعلماء من ٩٠ دولة، بعنوان "المفتى الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي".
ويأتى هذا المؤتمر فى وقْتِه وحيْنه، حيث أننا نعيش في ظلِّ التحوُّلات الرقمية المتسارِعة التي يشهدها العالم اليوم، ولم يَعُد الذكاءُ الاصطناعيُّ مُجرّدَ تَرَفٍ معْرِفيٍّ أو تقنية مستقبَلِيِّة بعيدة المنال، بل غدَا عنصرًا جوهريًّا في صناعة القرار وتوجيه السلوك وإعادة تشكيل مفاهيم السُلطة والمعرفة في العصر الرقمي.
وقد ألقى هذا التطوّر الهائل بظِلاله على ميدان الإفتاء الشرعي؛ إذ بات لزامًا إعادة بيان دُور المفتي ووظيفته بوصفه مرجعيةً شرعية تُعْنَى لا بالنصوص وحدها، بل أيضًا بمُتغيّرات الواقع التي يُعيد الذكاءُ الاصطناعي إنتاجها على مدار اللحظة.
إن الفتوى كانت ولا تزال الضميرالحيَّ للمجتمعات الإسلامية، وميزانَ الاستقامة الذي يضبط مسارها الأخلاقي. من هنا تبرز ضرورة مُلِحَّة لصياغة إطار أخلاقي وضوابط شرعية للتعامُل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال الإفتاء، بما يضمن بقاء الفتوى صحيحة المصادر، واضحة المقاصد، بعيدةً عن الانحراف أوالتشويه. فجميع التطبيقات التقنية يجب أن تنضبط بمبدأ تحقيق المصالح ودرء المفاسد وفْق مقاصد الشرع الحنيف المُتمثّلة في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. ويُستهدى في كلّ ذلك بقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾، وبقول النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق».
وعليه، فلا يجوز توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي فيما يناقض أصول الدين القطعية أو يخالف مقاصده الكلية أو يُلْحق الضرَرَ بالفرد أو المجتمع. بل ينبغي تسخيرها لتحقيق العدل والرحمة والمنفعة العامة، وهي قيم جوهرية في الشريعة كما هي قيم أصيلة في المواثيق الأخلاقية الحديثة.
وقد ثبُت أنَّ تقنيات الذكاء الاصطناعي ليست دومًا مُحايدة، بل قد تكون منحازة بحكم اختيارات المُصمِّمين والمُطوّرين المُتعلّقة بكيفية بنائها، والبيانات التي تُدرِّب عليها، وطريقة تقديمها للمستخدِمين.
لذا، فـ"صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي"، تُعدّ من "الصناعات الثقيلة" ذلك المفتي الذي يجمع بين رسوخ القَدَم في علوم الشرع واستيعاب أدوات العصْر الرقمية، فيكون على قَدْر التحديات، مُقتديًا بسَلَفِه الصالح في حِكْمَتِهم وبَصِيْرَتِهم، ومُستعينًا بفضل الله ثمّ بمعطيات العِلْم الحديث.
فالذكاء الاصطناعي بحدّ ذاته ليس فاسقًا، بل هو أداة محايدة تستخدمها إرادات بشَرية؛ لذلك فإن الموقف الشرعي يُوجِّه اللوم والعقاب للفاعل الحقيقي الذي يوظّف هذه الأدوات في التزييف والتحريف. كما يفتي أهل العلم بأن من نشر حُكمًا شرعيًا مزيّفًا وهو يعلم بطلانه فهو آثم، لأن ما يناله مقابل ذلك من مال أو شُهرة يُعد سُحتًا حرَامًا.
إن استخدام هذه التقنيات لبَثِّ معلومات دينية أو فتاوى كاذبة يعدّ من أخطر الجرائم الأخلاقية، لما يترتّب عليه من إضلال متعمَّد للناس في أمور دينهم. ولذا فمن يقترف هذا الفعل– سواء كان فردًا أو جهة أو دولة– يرتكب إثمًا عظيمًا وعدوانًا على حُرمات الدين، ويشمل ذلك وعيد النبي ﷺ: «مَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا فليتبوّأ مقْعَدَه من النار»، الذي يشمل وضع الحديث عن النبي، وتحريف سُنَّته أو الأحكام التي جاء بها.
وحتى تبقى الفتوى متجدّدة وحَيَّة، تتفاعل مع المُتغيّرات دون التفريط في الأصول، مما يُعزِّز صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان. فيجب الاعتماد على دُور الذكاء الاصطناعي ولكن على أن يظلُّ مساعِدًا ومنظِّمًا للمعلومة، لا شريكًا في الاستنباط أو بديلاً عن المفتي. لذا يُمنع الاعتماد على تقنيات الاستدلال الآلي التوليدي لإصدار الأحكام مباشرة دون مراجعة بشرية، كما يُمنع تَبَنِّي الفتاوى التي تُنتَج تلقائيًا عبر نماذج لغوية (مثل توليد نصّ الفتوى) دون مصادَقة فقهية.
وفي المقابل، لا مانع من استخدام بعض أدوات المنطق البرمجي لتحليل تماسك البنية المنطقية للفتوى أو توافق الأدلّة ضمنًا، ما دامت لا تتدخّل في إصدار الحُكم ذاته. وهذا تمييز ضروري بين ما يُعيْن المفتي وما ينوب عنه، فالأول مطلوب، والثاني مرفوض.
وباختصار، فالذكاء الاصطناعي خادم للفتوى، لا صانع لها. ومن ثمَّ فلابد من تدشين "مدوَّنة أخلاقية "لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في مؤسّسات الإفتاء، تَجَنُّبًا لأى مزالِق أو مشكلات إفتائية، وصولا لـ"حياة آمنة مُستقِرَّة".