رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

عندما نفذ رئيس الوزراء الإسرائيلي الاسبق، أرييل شارون، خطته للانسحاب الاحادي من قطاع غزة في 11 سبتمبر 2005، كان العنوان الرئيسي لتسويق خطته هو "أن حماية المستوطنين في القطاع باهظة الثمن". وبموجبها تم تفكيك القواعد العسكرية لجيش الاحتلال وسحب جميع العسكريين من أراضي غزة، وإخلاء أكثر من 9000 مستوطن إسرائيلي كانوا يعيشون في 25 مستوطنة.
انسحاب إسرائيل الأحادي من القطاع كان بمثابة خطة مبتكرة لنقل عدة آلاف من المستوطنين غير الشرعيين من غزة إلى مستوطنات أخرى غير شرعية أيضا في الضفة الغربية، وعزل كامل القطاع فعليا عن العالم الخارجي... وهو ما حدث.
اليوم، تبدو الصورة وكأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يعيد عجلة الزمن للوراء، بقرار "الكابينت" الاسرائيلي اعادة احتلال غزة. لكن في حقيقة الامر، فان القرار بمثابة قفزة في الهواء لا يمكن لاحد التنبؤ بنتائجها، فالأوضاع أكثر تعقيدا في ظل تفاقم الازمة الانسانية داخل القطاع لدرجة أصبح من الصعب السيطرة على تداعياتها.
علي المستوي العسكري. رفض قادة الاحتلال فعليا هذه الخطة بشكل كامل باعتبارها شاقة وخطيرة على الجنود، وخطيرة للغاية على الرهائن الذين ما زالوا على قيد الحياة في أسر حماس. ولا يزال 50 رهينة محتجزين لدي حماس، من أصل 251 خطفتهم في 7 أكتوبر 2023.
مع الأخذ في الاعتبار ان ٧٥٪ من قطاع غزة محتل بالفعل، وتجنبا لمزيد من الانقسامات والصراعات بين السياسيين والعسكريين، سيكون هناك خطة هجينة ليس تطويقا ، وليس احتلالا لغزة، ومن وجهة نظر رئيس الاركان، ايال زامير، الذي اعرب عن مخاوفه من الخطة، فأن الافضل هو التمرس في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، وشن هجمات منها على عناصر حماس من أجل إرهاقهم واستنزافهم. ويرى أن خطوط الهجوم هذه ستكون غرب المنطقة العازلة على أطراف الأراضي المحتلة ويجري تطهيرها حاليا من الأنفاق والهياكل الأساسية لحماس. محذرا في الوقت نفسه من خطورة اعادة الاحتلال الذي سيتسبب في تآكل القوات النظامية والاحتياطية، فضلا عن اهلاك الدبابات والمدرعات التي تحتاج دائما إلى صيانة مكلفة.. ومن المهم أيضا ملاحظة أن قادة الجيش يقدرون أن احتلال مدينة غزة والمخيمات المركزية قد يستغرق سنوات وليس أشهر كما يعتقد البعض وكلما طالت المدة زادت الخسائر البشرية الكلفة الاقتصادية ناهيك عن صورة اسرائيل لدي المجتمع الدولي التي يتهمها الان مباشرة بالإبادة الجماعية. مضافا الي ذلك ان الدخول واحتلال ما تبقي من قد يؤدي الي نهاية حتمية لما تبقي من الرهائن لدي الحركة، بالتالي فان نتنياهو سيكون عليه مواجهة الصدام القادم لا محالة مع اهالي هؤلاء الرهائن، حتى ان زامير، طالب خلال جلسة "الكابينت" التي اقرت اعادة الاحتلال، بضرورة شطب هدف "اعادة الرهائن" لان حماس ستقوم بقتلهم فور احتلال غزة مجددا.
بالإضافة لما سبق، فان اعادة الاحتلال تعني استدعاء 250 الف جندي من الاحتياط وهي تكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة، والتورط أكثر في مستنقع غزة بما يعني المزيد من القتلى والجرحى في صفوف الجيش المنهك فعليا وهو يدخل عامه الثالث ومن الاستنزاف على ثلاث جبهات على الاقل، فضلا عن تدهور الاوضاع النفسية لجنوده طبقا لصحيفة "معاريف" التي كشفت عن تزايد حالات الانتحار في صفوف جنود الاحتلال الذين لا يرون اي ضوء لنهاية هذه الحرب التي فشلت في تحقيق اي من اهدافها المعلنة سواء في اعادة الرهائن او القضاء على سلاح "حماس".
أيضا أحد التحديات التي ستواجهها اسرائيل فعليا بعد خطوة الاحتلال، ستكون في كيفية التعامل مع مشكلة امداد واطعام أكثر من مليوني شخص بلا ماوي أو عمل، مما يعني اضافة اعباء على جيش الاحتلال هو في غني عنه، وبالمناسبة فان زامير عارض بشدة ان يتحمل الجيش تلك مسئولية.
داخليا، فان العلاقة بين صانع القرار السياسي، وقادة الجيش ليست على ما يرام، والخلافات بينهما وصلت الي طريق مسدود، لدرجة ان كلا الطرفين يحمل الاخر مسئولية الفشل في انقاذ الرهائن، فالعسكريين يتهمون نتنياهو بانه هو الذي افترض أن صفقة الرهائن كانت وشيكة، لذلك، لم يدفع الجيش الإسرائيلي إلى الحاق هزيمة سريعة لحماس. بينما رئيس الوزراء يعتقد ان الجيش لم يقم بواجبه ليس فقط في هزيمة حماس، لكن في منع وقع عملية يوم السابع من اكتوبر من الاساس.
إذا أضفنا الي ذلك استغلال احزاب المعارضة لازمة نتنياهو واللعب على انهيار حكومته الائتلافية، فإن الانتخابات المبكرة هي آخر ما تحتاجه إسرائيل في وضعها الحالي لان النتائج ربما لن تكون مرضية داخليا وخارجيا وبالتالي ستعود بالجميع الي المربع رقم واحد.
اقليميا، أكدت مصر، رفضها التام لأي عمل عسكري واسع النطاق أو غزو بري واسع النطاق لغزة، حذرت من أن مثل هذه الخطوة ستشكل تهديدا خطيرا للأمن القومي المصري ويمكن أن تعرض للخطر معاهدة كامب ديفيد للسلام لعام 1979. ومن المؤكد ان القاهرة ستنظر إلى عملية الاحتلال على أنها محاولة لفرض وضع جديد في غزة، وأن مثل هذه الخطوة "لن تترك دون رد دبلوماسي مصري حاسم، يمكن أن يتبعه تقييمات على عدة مستويات، بما في ذلك اتفاقيات ثنائية مع تل أبيب".
وعلي الجانب الاخر، هناك جبهة على وشك الانفجار، وهي لبنان، وتحديدا حزب الله، الذي يسعي لإعادة ترتيب اوراقه في لبنان بعد الضربات الموجعة التي تعرض لها منذ ٨ اكتوبر ٢٠٢٣ وكان اخرها اجتماع الحكومة الذي اقر بضرورة نزع سلاح الحزب وحصر السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني. وسبق حذر زعيم الحزب نعيم قاسم، في لبنان من أنه إذا كثفت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد التنظيم، فإن حزب الله سيستأنف إطلاق الصواريخ على أراضيه. وقد يستغل قاسم اعادة احتلال غزة مبررا قويا للدخول مجددا في الصراع بهدف خلط الاوراق لتحسين صورته التفاوضية، خاصة انه لم يعد لديه الكثير لخسارته.
ولكن يظل الدور الامريكي الغامض هو محور الحدث. الرئيس الامريكي، عارض ظاهريا خطة اعادة الاحتلال، لكنه في المقابل يمنح تل ابيب الضمانات اللازمة لتطبيقها من سلاح و"فيتو" جاهز وتحت الطلب في مجلس الامن. في الوقت نفسه بعض دوائر صنع القرار في واشنطن، بدأت ترسخ لفكرة أن الطريق لمرحلة جديدة في غزة يبدأ بالقوة وليس التفاوض.. والتعامل مع القطاع كأرض متمردة يجب أولا إخضاعها عسكريا ثم إعادة بنائها، سواء من الناحية السياسية أو الأمنية.
الوضع الدولي المناهض لخطة الاحتلال، وتراجع الدعم الداخلي، قد يجبر نتنياهو إلى تغيير الاتجاه من وهم احتلال غزة الي التوصل إلى اتفاق دفعة واحدة، بدلا من الدخول في مغامرة غير مضمونة النتائج علي الاطلاق. وهنا سيكون الدور علي حماس لتكون مستعدة بالفعل لصفقة من خطوة واحدة، تنهي الحرب رسميا، والانسحاب من معظم قطاع غزة.
ويبقي السؤال.. هل لدى نتنياهو خطة للخروج من هذه الأزمة؟ تشير التجربة إلى أنه عادة ما يكون لدي الرجل مخرج ما لكن لنفسه فقط. والمشكلة الأساسية هي أنه لا يبدو أن أحدا في القيادة الإسرائيلية يعرف كيف يتعامل مع الاوضاع المأزومة سياسيا وعسكريا وانسانيا.. والجميع الان في الانتظار.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة