أحيانا، لا نكتب لنحكي، بل لنرى ما لا يُرى... نفتح كادرات الذاكرة، وننصت لنبض الصور الهاربة من زمن ما، كأنها تهمس لنا بحقيقتنا الضائعة. من بين ظلال الضوء والرماد، تخرج التفاصيل القديمة لتُعيد تشكيل وعينا، وتُرينا ما خفينا عنه داخل أنفسنا.
لم أكن أعرف أن حديث النفس عادة غريبة. تأخذ المرء إلى درجة بعيدة. تتحدث مع نفسك أفضل فى أحيان كثيرة، من التحدث، مع أحد ما. طاقة سلبية يتم تفريغها، على لسان بطل أو بطلة. لا يهم. ربما، فى قصيدة جامحة. ربما، فكرة قصة غير مكتملة. فى النهاية أنت لنفسك فقط. أن ترى حقيقة الأمور..
أن تعلم كيف ترى نفسك؟!
أن تعرف أين أنت؟!
تدرك بعضا من ماهية الحياة وإشكاليتها. تعدّ بضعة أحلام مسروقة، من الزمن، لم يتحقق شئ، منها. تذهب وراء الحلم أم يذهب بك بعيدا، الحلم. لا يهم، فدائما، المحصلة تكون صفرا. لا شئ يتحقق مع أفكار خدجة غير مكتملة، بصحبة بعض أفكار بالية تمتلكك. عن الناس. الحياة. الموت. الفن والجمال. وما إلى ذلك نمضغه، ليلا نهارا، عن أحلام لا تكون أبدا. حياة عليك دائما كسر دائرتها الموصدة بإحكام، حتى تنفلت من أزمتها..
حسنا، لعلى لم أفعل غير الحلم. لم أرى إلا خيالا. لم أعاين سوى واقعا اغريبا، عن كل منطق. خيال أغرب من الواقع، وواقع يفوق الخيال. هكذا الحياة، مواجهة دوما خاسرة. ولأن تنتصر فمستحيل أن تستمر الحياة على هذه الوتيرة العجيبة. لعلى لم أكتب. لم أفعل شيئا غير كلمات أحاول أن أرى بها شخصية، لم أكتبها بعد. أن تدوم اللحظة حية، فى قلب صور قديمة. بمرسم نفسي متهالك. إستوديو عقلى يتداعى ويتهاوى. شئ مثل آلة الزمن، لا تعرف متى تنطلق بك. أين تذهب بك. متى تتوقف. ربما إلى أوج لحظة ماضى، أو قاع مشهد حاضر، لا تعود منه بإجابة، ولا شئ سوى حيرة. فتمضى مسافرا راحلا وحيدا. تقضى عمرك، وصور شاردة، بالذهن، فاقدا حماسك للحياة. شئ من المعاناة. زهايمر إرادى. عمدا، تسقط أشياءا من ذاكرتك، لتستمر الحياة. أو تناضل من أجل تذكر أمورا، كنت تحسب أنك تعرفها جيدا، لتدرك كينونة الحياة، وكيف تسير. مشقة تفكير، على كل حال. كمن تمضى آخر أفكاره، بلا معنى، حتى يرى مثل تلك الصور. يعى أن الموت حقيقة، لا يمكن إنكارها. غير مكترث لما يدور حوله. يذوب فى زحام الحياة. يختفى. وبعد أن تعرف هذه الحقيقة، تستطيع أن ترى بلا حدود الجانب الأخر، من الحياة، وغرائبها. بصيص من روية، ومعرفة بأبسط الأشياء، لكن فى مشهد ختامى و أمر أكثر قسوة. فى النهاية، شئ من ظلام، ليريك النور..
بهذا، كان الخيار الوحيد المتاح لى، حقا، أن أنجح، في عبور حدود نوعي واقع، لا يمكن التوفيق بينها، وأنا أتأمل مجموعة من الصور القديمة تظهر ملامحها، بين الأبيض والأسود. بين ما أراه عالما حقيقيا، فى عقلي، وما أراه أمامى الآن، من أشياء متناثرة، تمثل أجزاء معضلة غريبة. ملامح بشر تاهت فى لحظة ماضى، إندثر. لم يبق منه إلا درجات متباينة، بين الضوء والظلال. هذا اللغز، الذى لفت إنتباهى، أول مرة، حينما رأيت فيه تلك الصور. أولا، كان على تحليل هوية هذا التوتر، غير العقلاني. ثانيا، سبب التضارب الموجود بين الحقائق. كنت أدرك حاجتى، إلى حل وسط، بمفهوم مبدأ واقع. كان بعيدا تماما، عن كل ما هو متوقع، وكل إحتمال. كان لا يمكننى، أن أرى السبيل إليه، أو أعرف إلى أين ينتهي بى، منفصلا عما حولى. وبشكل حاسم، عرفت نهاية الأمر، أننى لم أقف عليه بعد، لكن كان يجب أن أفعل. أن أرى. إنها ذاتية الفن وجمال الضوء، سفرا للروح. وفى غير مرة، وكم من مرة، رأيت صورا قديمة عتيقة. أواصل تفكيرى بها. ساحرة تسلب العقل. تبوح بأسرارها. تأخذنى إلى ما تشاء من أماكن. لا أدرى أين كنت معها. أو من أين أتيت من أزمنة، سافرت إليها. لكنها تسكن ذاكرتى على نحو غريب. لا يمكن أبدا، أن أعرب عن دهشتى. كنت، كمن ينظر إلى ماض، من خلال عدسة الغموض، إلى مدن. طرق. شواهد قبور. مرايا. مناظر طبيعية. أشباح. نوافذ تطلّ على الحاضر، لكن من أمد بعيد. شعرت بالقلق، فقد لعبت هذه الرابطة، التى لا أدرى ما هى، دورها فى توترى. لم يمكننى حقا أن أفهم لماذا تختفى فى رأسي، بسرعة كلما أوشكت أن أعرف ماذا تنطوي عليه، من لا معقول. ومع مزيد من تأمل، بعد فترة وجيزة، أمكننى رؤية أن هناك أرض، ليست كأرض وطأتها بقدمى. لكنها بدت على وجه التحديد، فرصة جيدة، من أجل خوض ما يحيرنى، في واقع غريب. تجسد فى ومضات بارقة. تناجى:
"أريد معرفة ذلك.. أريد كل شيء الآن.."
هذه المرة، شرعت فى شئ مختلف، لأعرف حقيقة ما وقع وما حدث، ذات يوم، وأنا أرى من مثل هذا. لا تنقطع أفكارى خلال ما يلى هذه الساعة. ولا يمض وقت طويل حتى يزداد اليقين أن هناك ماخفى من أمر هذه الصور. يكشف عن نفسه شيئا فشيئا. يكشف لى عن شيئا من وجه الحقيقة الغائبة، من اضطراب الحياة. وعلى مدار هذا لا ينته أثر تلك الذكريات البعيدة. لم أدرك من قبل كيف سوف يكون صوتها الخافت ذا دلالة، بهذه القوة فى الروح. أحداث تمسك بحلقاتها متصلة. تتابع أمامك تفاصيلها كمرآة تصفو شيئا فشيئا. تطالع فى الإسكتشات القديمة سحرا من نوع خاص. مما تناثر فى الكتب القديمة من القرنين الثامن والتاسع عشر. لا تعرف الكيفية التى تنطق بها تلك الظلال، واصفة مدنا أو مبان أو طرقا. تتمثل لحظة نهار، من زمن مضى. لا تعرف كيف تتآلف الخطوط وإتجاهاتها المتقاطعة. تتسائل ونفسك متأملا:
ماذا يجعل الحجر قطعة من تاريخ، شاهدة..؟!
ما السبب الذى يأسر عينيك داخل طبقات سوداء، لمكعبات حجرية، تلمع بدكنة ظلّ تحت شعاع شمس، من نقطة إلى أخرى؟!
هنا فقط تتمنى لو كنت داخل تفاصيل هذا الكادر، الذى إلتقطته كاميرا أو ريشة فنان.. لزاوية برج أو قبّة. بقلم فحم أو رصاص. لحظة لا تعرفها أبدا قبل ذلك. بكل ما فى النفس. تبعث فيها دفءً وحرارة. ورغم ذلك لا تملك ذاتك كلما رأيت هذا الأمر. ورغم ذلك، لا تعرف من جديد كيف تدرك لنفسك سكنا أو هدوءا، إلا مع مثل تلك اللحظات. لكن كيف يمكنى إستعادة خبايا نفوس من ذكريات متناثرة؟!
لا ريب كان لابد أن تعطى نتيجة ناجحة. هكذا تحاول أن تقنع نفسك. وسرعان ما يتطور الأمر لكن يبقى سؤال ماذا يحدث لو أتيح عبور هذا الممر الزمنى؟!
من المؤكد أن هناك حقيقة ما منتظرة. فهل تتداعى تفاصيلها حية مع هذه المحاولة. بالتأكيد هناك شئ يفقدك الصواب، كلما حدقت فى التفاصيل، لترى أكثر. قبل أن تضيع متناثرة، فى مجهول. فماذا لو كانت بهذا الشحوب، تخاطبنى بصوت خافت. يخيل لك أنها تحدثك، بمَ لم تعرف بعد. هذا الهمس العجيب، كان علىّ أن أرهف السمع له. لم أعد أبصر ما كنت أبصره. تجردت من أفكارى المسبقة، عن ماض لا يسبر له غور، أو عن حاضر لا يكترث بى. عما يعتلج فى النفس، أو يجيش به الخاطر، من هواجز لا تنتهى إلا والروح منفصلة، فى عالم غريب. كنت على يقين أننى سأجدها هناك. حقيقة غائبة، فى وجوه ماضين وظلال أرواح. المسألة كلها أن أعيد قراءة ما كتبه الضوء والظل، لأفهم. أن أمضى وقتا طويلا مع أفكار، لأتخلص منها، فأدرك جوهر الأمر. هل يعيش الإنسان مرة واحدة، أم مرات. أكثر مما يحيا فى الواقع، فى ثنايا حلم لا يتحقق أبدا. فلا تتصور معنى السعادة حتى تذوق الألم، بحزن يفقد الشعور، بالوجود. أن تدركك حيرة تاركة الأمور كلها معلقة، عاصفة. حقيقة لا شك فيها. هذه المرة، لم أكن أدرك ذلك بعد، لكننى كنت أسعد حظا، لأعرف أكثر من معنى الألم والحيرة والحزن. أخيرا لم أعد أسمع هذا الصوت الغامض الذى يهمس لى. فلم يكن يقينى، من هذه الأفكار المجنونة، إلا أن ترك النفس لتسافر فى ماض أستنطقه، ويسنتطقنى، مع روعة أصداء ذكريات تائهة. شئ يمتلك الكيان، بدفء يسرى إلى العقل. بينما أنت غير موجود. وتختلط التفاصيل بملامح الصورة الباهتة فى ثنائية الحياة والموت، أو فى ماض هارب، خلف سور غريب. أشباح، تعبر طريق، ربما من مائة عام أو يزيد. شغلنى التفكر فى حركة كل منهم، برحلة متصلة، في لحظة فاصلة توقفت بها. سجينة، لنوع من الأبد يتجاوز الوجود، إلى عقلى. أين كان ذاهبا. ماذا كان يحمل. أم وجدت أنفسها في مواجهة لحظة توقفت بها. هل أنا أجن؟ فيم كان يفكر؟ كيف كان يشعر؟ هل أنا موجود؟! هل هى موجودة؟! ماذا بهذه البناية؟! لمَ كان هذا الزحام فى هذا الركن؟! أين كانوا ذاهبين؟! ماذا كانوا يحملون؟! هذا الحديث الخفى بين إثنين، صارا الآن، فى التراب؟!
كل ما رأيت فى هذه الصور من تتابع مساحة رمادية ساطعة، بشكل غريب، لا شك أنه بات هباءا منثورا. لم يبق منه إلا شواهد تشرف على نهاية، خطها سواد قاتم، بين طيات ظلال رمادية، ولون ذكريات بعيدة، من دهاليز ماض. تتلاشى كل مرايها. نفس الأصداء الحزينة تتردد بصوت ضعيف، هنا وهناك، بين جنبات هذا الضباب البعيد. لكن مع مرور الزمن، لا شيء. لا شئ بالمرة. عندها تكتشف على جدار الذاكرة سلسلة، من لوحات ماض، يرثى لها. تيمات موسيقية حزينة، غاصّة ببشر، تكتظ بهم زوايا منسية. كل ما رأيت، فى هذه الصور يتتابع، هباءا منثورا. لم يبق منه إلا شواهد، فى نهاية ممر. إختفى تماما، بين المنطق والعقل، وأنا أحاول أن أتذكر أين.. ومتى رأيت هذا؟!
بتُ، لا أعرف ماذا خلف هذا الجدر الحجرية الغريبة.. أنا.. أم أصداء ذكريات.. أم أشباح قديمة، فى ضوء شمس متعامدة؟!
هذا هو كل شيء. لا أدرى، كم مرة فشلت فى تذكر ما حدث. معرفتى الوحيدة أننى ما زلت بالكاد، أحدّق فى تفاصيل صور غامضة، تمزق ملامحها مسافات الصمت. من الغريب، أنها تركت وراءها فراغا زمنيا مثيرا. على الأقل، لا تزال أصداؤها تتردد.. وانتهى الأمر. لم تبح لى الصور شيئا، من حكايات قاطنيها.. كيف أستعيد صورة ماضى من عامود رخامى جميل، فى ركن شرفة حجرية. بزخرفتها السميكة المضفرة، الملامسة حافتها السماء، من ناحيتها اليمنى. كيف أفهم ما يحمله لون أسود جميل، أدكنته أشعة الشمس، لتزيده جمالا دافئا. يطغى على ذاكرة الزمن، فأستطيع أن أكتب، بلغة هذا الإحساس. لعلها تكون فقرات من قصة، أو رواية..
هكذا تمضي الصور القديمة، لا تشي بكل أسرارها، لكنها تترك فينا أصداءً لا تُمحى... أصداء لحظات لم نعشها حقًا، لكنها عاشت فينا. في ممرات الزمن المتآكلة، بين ظلال حجر ووميض شمس، تنكسر الحكاية وتبدأ من جديد. وحده الفن يمنحنا تلك الفرصة النادرة لأن نُصغي... لما هو أعمق من الكلام، وأبقى من الذاكرة.