رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الحلم طاقة أمل ..شغف بما تشتهيه النفس خلف جدار الصمت ..في الحلم تتتحقق الأماني بلا خوف فمن الخوف ما قتل..!!
الخائف لا يحلم بل يموت ألف مرة في كوابيسه..أو يموت بعدد مرات خوفه.
خطورة الخوف أنه يسرق بهجة الحياة ..يقتل صاحبه ببطء..ولا عجب والحال هكذا أن يجعل الله الأمن الذي هو ضد الخوف تاليا في الأهمية لإطعام البطن الجائع وما أدراك ما قسوة الجوع!!
يقول الله عز وجل: ( الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (قريش: 4)
في كل عقل بشري، ومضة، فكرة، احتمال مختلف للعالم. لكن لا تُولد كل فكرة. بعضها يُجهض قبل أن يُنطق به، لأن صاحبها خائف: من السخرية، من الخطأ، من الفشل، أو ببساطة… من أن يكون مختلفًا.
الإبداع بطبيعته مغامرة، والخوف نقيض المغامرة. هو طاقة بقاء، بينما الإبداع طاقة خلق. حين نخاف، لا نفكر بحرية، بل نحسب خطواتنا بحذر مفرط. نعيد ما سبق أن قيل، ونسلك الطرق المجربة، ونُتقن التكرار بدلاً من أن نخلق شيئًا جديدًا.
في زوايا المكاتب الهادئة، وتحت ضوء الشاشات الباردة، تُدفن يومياً أفكار لم تولد، وتُنسى أحلام لم تُمنح فرصة التنفس. ليس لأن أصحابها عاجزون عن الإبداع، بل لأنهم محاطون بجدران شفافة اسمها: الخوف.
الخوف لا يطرق الأبواب، إنه يسكن العقول قبل أن تبني جدرانها. يبدأ كحرص، ثم يتحول إلى صمت، فإلى استقالة داخلية من فكرة المحاولة. وحين تُصبح بيئة العمل مجرد مسرح يُكافأ فيه "المنضبط"، ويُخشى فيه من "المجدد"، فإننا لا نُدير مؤسسات، بل نحرس مقابر للأفكار.
يقول د. أحمد زويل:
"الخوف من الفشل هو الفشل بعينه." لأنه لا يوجد إبداع بلا محاولة، ولا محاولة بلا احتمالية الخطأ.
ويقول أيضا: "لا يمكن أن يبدع الخائفون."
وكان يدرك أن العلم – كأي فعل خلّاق – لا يزدهر تحت ظل الرقابة، بل تحت ضوء الحرية. لم يكن حديثه عن المختبرات فقط، بل عن كل مكان يُولد فيه سؤال، وتُحاك فيه إجابة.
لقد كان أحمد زويل نموذجًا لثقافة لا تخاف أن تحلم. وكان جمال حمدان مثالاً لعقلٍ رفض القوالب الجاهزة. وكان مصطفى محمود صوتاً يوقظ الضمائر من سباتها.
أما مصطفى محمود فقد عبّر بعمق عن مساوئ الخوف بقوله:
"الخوف هو أكبر عائق أمام الإنسان… لأنه يحرمه من التجربة، من الجرأة، من الحرية."
الإبداع يحتاج إلى مساحات تسمح بالخطأ، إلى مناخ لا يُعاقب على السؤال، ولا يخنق أول فكرة لأنها غير مكتملة.
أما جمال حمدان ذلك الجغرافي العبقري الذي قرأ في تضاريس المكان طبقات الوعي، فيقول :
"العبقرية لا تعترف بالإطار، ولا تنمو داخل القوالب."
الخوف يقتل الإبداع لأنه يحول العقل إلى حارس لا إلى مبدع والمجتمعات التي تهاب الخطأ، ستخسر حتمًا كل ما يمكن أن يكون جديدًا.

وقد كتب: "العبقرية تفلت دائمًا من قبضة المؤسسات." في عبارته تلك، كشف عن مأزق العقول حين تُقيدها البيروقراطيات، وتخنقها ثقافة "هكذا نفعل منذ زمن"، فيتآكل الإبداع كما تتآكل الجبال من الريح الصامتة.
وهنا نتوقف عند فيلسوف القلق الجميل، الدكتور مصطفى محمود، الذي كتب يوماً:
"إن أعظم اختراع دمر الإنسان هو الخوف… لأنه حرمنا من الجرأة، من المغامرة، من الحب، ومن الإيمان." الخوف، لا الخطأ، هو ما يجب أن نخشاه. لأن الخطأ خطوة، أما الخوف فهو سكون. الخطأ يعلمنا، أما الخوف فيرهبنا حتى من المحاولة.
فهل يُعقل أن نطلب الإبداع، ثم نزرع في كل زاوية من زوايا العمل فخاخ المساءلة، وحقول ألغام من الشك؟ هل نريد فريقاً من المبدعين، أم جيشاً من الصامتين؟
الإبداع لا يحتاج إلى عبقرية خارقة، بل إلى مناخ يسمح بالخطأ، و يرى فيه مرآة للتطور. إلى بيئة تهمس للموظف: "قل ما لديك"، لا: "احذر ما تقول". إلى مؤسسة تحتفي بمن قال "لدي فكرة"، حتى لو كانت فكرته غير مكتملة، غير مألوفة، غير "مطابقة للمواصفات".
فلنستعد تلك الروح.
ولنخلق بيئات تشبه من يحلمون، لا من يخافون. فربما نمنح الفكرة التالية فرصة أن تُولد… بدل أن تُدفن وهي في الرحم، رحم الخوف والقلق.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة