لا تفهمونا غلط
يسدل الستار غدًا على فعاليات الدورة الخامسة والعشرين من المهرجان القومي للمسرح المصري، التي جاءت استثنائية بكل المقاييس، لا لأنها احتفت بربع قرن من العطاء المسرحي فحسب، بل لأنها كسرت التقاليد، وخرجت بالمهرجان من مركزية القاهرة إلى قلب المحافظات، لتصل بعروضها إلى جمهور عطش للفن، وجمهور أثبت أن المسرح ما زال حيًا حين يصل إلى الناس.
تحت شعار "المهرجان القومي للمسرح في كل مصر"، قررت اللجنة العليا للمهرجان أن تكون هذه الدورة نقطة تحول حقيقية، وانطلقت العروض إلى مسارح المحافظات، فشهدت أسيوط والمنصورة والمنيا والإسكندرية فعاليات فنية متنوعة، احتضنها الجمهور بحفاوة لافتة، ليصبح المهرجان، لأول مرة بهذا الاتساع، عيدًا فنيًا يشمل الوطن كله.
روّاد المسرح في المحافظات لم يكونوا مجرد متلقين، بل كانوا شركاء حقيقيين في هذا العرس المسرحي. امتلأت المسارح بالجماهير، وتفاعلت العائلات، والشباب، والطلاب، مع العروض، وردّدت التصفيق الحار الذي كان أقرب إلى رسالة دعم حقيقية لهذا الفن العريق. المشهد في قاعات العروض بالمحافظات كان كاشفًا: المسرح لا يموت، بل يُبعث كلما صادف جمهورًا صادقًا وعملًا فنيًا محترمًا.
هذا التوجه النوعي نحو اللامركزية لم يكن عابرًا، بل كان نابعًا من رؤية استراتيجية تبنّاها رئيس المهرجان الصديق الفنان الكبير محمد رياض الذي اكد انه قادر علي ادارة وانجاح هذا المهرجان منذ ان تولي المسئولية الي ان وصل بالمهرجان لهذه الدورة التي تؤكد انه وصل لقمة النضج الاداري ، ولابد ان نؤكد انه تلقي دعم كبير من وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو ، وهنا لابد ان نشيد بالتنفيذ الدقيق من المخرج الدكتور عادل عبده ولم يكن اختيار المخرج الدكتور عادل عبده مديرًا عامًا للمهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الـ25 أمرًا عابرًا، بل جاء انعكاسًا لمسيرته الطويلة في المجال المسرحي، ولخبراته الواسعة التي جمعت بين الفن والإدارة. فقد استطاع أن يُوظّف خلفيته الفنية كمخرج استعراضي ومسرحي بارز، في تنظيم دورة احترافية استثنائية، جمعت بين الرؤية الجمالية والدقة اللوجستية. ولابد ايضا ان نشير ان الدكتور عادل عبده شارك أيضًا في تنظيم العديد من الفعاليات القومية والمهرجانات الدولية، ما منحه قدرة على إدارة حدث ثقافي بحجم المهرجان القومي للمسرح المصري.
لقد أدرك القائمون أن المسرح الوطني لا يجب أن يبقى حبيس العاصمة، وأن على المهرجان أن يصل إلى جمهوره الطبيعي، في المدن والقرى، حيث تُصنع الحياة اليومية بكل تفاصيلها.
وكان من عوامل نجاح هذه الدورة التشكيل المتنوع للجنة العليا، للدورة الخامسة والعشرين أحد أهم عوامل نجاحها، حيث ضمت مجموعة من القامات الفنية والفكرية التي أضفت على المهرجان ثقلًا نوعيًا وتوازنًا حقيقيًا بين الرؤية الإبداعية والقدرة التنظيمية. ونجد في مقدمة الأعضاء الفنانة القديرة سوسن بدر، التي تُعد رمزًا للفن الرفيع والتمثيل الراقي، إلى جانب الفنان سامح حسين، الذي يجمع بين الحضور الشعبي والالتزام المسرحي الجاد. كما شارك في اللجنة المخرج والكاتب نادر صلاح الدين، المعروف برؤيته التجريبية وتجربته الغنية، والكاتب وليد يوسف، الذي ترك بصمة واضحة في الدراما التلفزيونية والمسرح على حد سواء.
ومن النقاد المتميزين الذين شاركوا في إثراء الحوار وتقييم التجارب، حضر الناقد والشاعر يسري حسان، صاحب البصيرة النقدية العميقة، والناقدة المسرحية رشا عبد المنعم، التي تتمتع بخبرة واسعة في متابعة الحراك المسرحي المصري. أما الجانب التنفيذي والمؤسسي، فكان ممثلًا بمجموعة من القيادات الثقافية رفيعة المستوى، من بينهم المخرج الكبير خالد جلال، رئيس قطاع شؤون الإنتاج الثقافي، والمهندس حمدي السطوحي، رئيس قطاع صندوق التنمية الثقافية، والدكتور أحمد بهي الدين العساسي، رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، واللواء خالد اللبان، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، والمخرج هشام عطوة، رئيس البيت الفني للمسرح، والمخرج عادل حسان، رئيس الإدارة المركزية للمركز القومي للمسرح والفنون الشعبية.
ويستحق هؤلاء الأعضاء كل الشكر والتقدير على ما قدموه من جهد وعطاء طوال فترة الإعداد والتنفيذ، حيث أسهم هذا التنوع في التخصصات والخلفيات في إثراء النقاشات وتقديم رؤية متكاملة للدورة، التي تعد ثمرة تعاون وتخطيط شاركت فيه عقول خبيرة وقلوب مؤمنة برسالة المسرح.
وقد أعرب الفنان محمد رياض عن اعتزازه بهذا التشكيل، مؤكدًا أن هذا التنوع أتاح للمهرجان أن يكون أكثر شمولًا وقدرة على اتخاذ قرارات تليق باسم مصر الثقافي. وأشاد المخرج عادل عبده بدور اللجنة العليا، معتبرًا أن التفاهم بين المبدعين والمسؤولين أفضى إلى دورة متكاملة، تجنبت النمطية، وقدّمت للمشهد المسرحي دفعة جديدة.
العروض التي شهدتها هذه الدورة كانت مرآة حقيقية لتنوع المسرح المصري فقد شاركت فرق من البيت الفني للمسرح، وأخرى مستقلة، وأخرى من الجامعات وقصور الثقافة، كما شملت المسابقات عروضًا من القطاع الخاص، ما أتاح مساحة واسعة للتنوع والتجريب. وقد تم تقديم العروض وفق جدول دقيق، ضم أكثر من 40 عرضًا في مسارات متنوعة، أبرزت تجارب جديدة في الإخراج والتمثيل والتأليف، خصوصًا بين الشباب.
إلى جانب العروض، تميّزت هذه الدورة ببرنامج فكري مواكب، ، ورشًا تدريبية، وحلقات نقاش مفتوحة، شارك فيها فنانون وباحثون ومهتمون بالمسرح من مختلف المحافظات. كما أُطلقت مسابقات في التأليف المسرحي، ما عزّز من دور المهرجان كمنصة لتكريم المبدعين، لا فقط على الخشبة، بل في الكواليس أيضًا.
ولابد ان نشير الي ان هذه الدورة شهدت حراكًا فكريًا مميزًا عبر سلسلة الندوات المتخصصة التي واكبت العروض وناقشت القضايا الجوهرية في المشهد المسرحي المصري وندوات نقدية. وقد جاءت هذه الندوات لتشكل منصة للحوار العميق بين المبدعين والباحثين والجمهور، وأسهمت في تأصيل مفاهيم التجديد والتوثيق وتحليل التجارب الفنية. وشارك في هذه الندوات نخبة من المفكرين والنقاد والأكاديميين، من الأسماء البارزة التي أدارت الحوارات أو قدمت رؤى تحليلية أغنت النقاشات.
كما خُصصت بعض الندوات لتكريم رموز مسرحية راحلة، وتوثيق أثرها الفني في تطور المسرح المصري، وهو ما أضفى بُعدًا إنسانيًا وتاريخيًا على الفعاليات. وبهذا المزج بين الفن والعلم، النظرية والتطبيق، نجحت هذه الدورة في ترسيخ دور المهرجان كمرآة حقيقية للمسرح المصري، لا تكتفي بالاحتفاء بل تسعى للفهم والتطوير.
ومن المنتظر أن يشهد حفل الختام غدًا تكريم عدد من الرموز المسرحية، وتوزيع الجوائز على الفائزين، في احتفال يليق بما تحقق من نجاح. لكن الأهم أن هذا الختام لا يعني نهاية المهرجان، بل هو بداية لمشروع ثقافي طويل الأمد، يعيد المسرح إلى دوره الريادي في التنوير والتثقيف وبناء الوعي.
اخيرا
لقد أثبت المهرجان القومي للمسرح المصري، في دورته الخامسة والعشرين، أنه لا يزال قادرًا على أن يكون صوتًا حيًا في قلب المجتمع، وحين يصل إلى كل مصر، تصبح رسالته أكثر صدقًا وفاعلية. وهكذا، فإن المسرح، كما أراده الآباء المؤسسون، يظل ساحة مفتوحة للفكر، والجمال، والحوار.
دورة استثنائية بكل المقاييس، أعادت للمسرح وهجه في ربوع الوطن، وربطت بين خشبات العاصمة ومواسم الأقاليم، فكان الجمهور شريكًا حقيقيًا في هذا الاحتفال الكبير. إنها دورة احتضنت التاريخ وأشعلت أسئلة المستقبل، وجعلت من الفن فعلاً حيًا يتجاوز حدود الخشبة إلى قلب الإنسان المصري، أينما كان.
ومع ختام فعالياتها، يبقى الأمل في أن تتواصل هذه الروح، وتستمر المسيرة، ليظل المسرح المصري حيًا، متجددًا، ومعبرًا عن ضمير أمة لا تنطفئ فيها شرارة الإبداع.
مصطفي البلك
[email protected]