رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

توقفت أمام كل كلمة في هذا الشعار: "دافع عن بلدك بقوة وشراسة فغيرك يخونها بمنتهى الوقاحة"، فوجدت نفسي أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها. ما تتعرض له مصر اليوم ليس مجرد انتقاد سياسي أو اختلاف في وجهات النظر، بل هو هجوم منظم تمارسه كتائب إعلامية مأجورة تعمل على هدم الثقة بين المواطن ووطنه، وتستخدم أدوات العصر الحديث من شائعات وأكاذيب وتزييف للحقائق بهدف ضرب استقرار الدولة وتشويه صورتها داخليًا وخارجيًا. إنها حرب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لكنها حرب لا تُخاض بالسلاح، بل بالكلمة المسمومة، بالصورة المفبركة، بالصوت الموجَّه، والاتهام الكاذب.

لسنا أمام مواجهة عسكرية، بل أمام حروب من نوع جديد، تُعرف بحروب الجيل الرابع والخامس، وهي الأشد خطورة لأنها تستهدف الوعي قبل الأجساد. تعتمد هذه الحروب على التضليل الإعلامي، وتجنيد الذباب الإلكتروني، واختراق الوعي الجمعي من خلال ضخ متواصل للمعلومات المزيفة، وترويج السرديات المسمومة. في قلب هذه الحرب تقف جماعة الإخوان، بدعم صريح ومباشر من دول إقليمية، سخرت أدواتها الإعلامية ومنصاتها ومموليها لتوجيه طوفان من الاتهامات ضد مصر، خاصة مع اشتداد الأزمات في المنطقة، وفي مقدمتها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

لا يتوقف الهجوم عند الداخل المصري فقط، بل يتعداه إلى محاولة تحميل القاهرة مسؤولية تجويع غزة وعرقلة دخول المساعدات. وهي مزاعم تتناقض تمامًا مع الواقع، فمصر لم تغلق معبر رفح يومًا، بل كانت ولا تزال المنفذ الإنساني الوحيد للقطاع. الحقيقة، كما وثّقتها البيانات الرسمية والشهادات الدولية، أن الجانب الفلسطيني من المعبر خرج عن سيطرة السلطة الشرعية بعد أن دمره الاحتلال الإسرائيلي في مايو 2024، مما جعل عملية إدخال المساعدات مرتبطة بتنسيق أمني مفقود بفعل العدوان. ومع ذلك، لم تتوقف مصر عن أداء دورها، بل أقامت جسرًا بريًا عبر العريش، ونسقت مع المنظمات الدولية لإدخال الإمدادات، وتحملت وحدها عبء تمرير أكثر من 80% من المساعدات التي دخلت غزة خلال الأشهر الأخيرة، كما أعلن رئيس مجلس الوزراء.

رغم ذلك، لم تتوقف حملات التشويه. لم تكتف الكتائب الإخوانية والمواقع التابعة لها بالتشكيك، بل راحت تروج لرواية مشوهة تخدم بشكل مباشر السردية الإسرائيلية، وتنقل المسؤولية من الاحتلال إلى مصر. المفارقة أن هذه الحملات لا تنطلق من حرص حقيقي على أهل غزة، بل من رغبة في تقويض الدور المصري التاريخي، وإفساح المجال لقوى إقليمية تسعى إلى استغلال القضية الفلسطينية لأهدافها الخاصة. إنها محاولة منظمة لإزاحة مصر من موقعها الطبيعي كداعم رئيسي للحق الفلسطيني، وتشويه صورتها في أعين الأشقاء العرب قبل الرأي العام الدولي.


الخطير في المشهد أن هذه الحملات تجد في بعض الأحيان فراغًا إعلاميًا رسميًا يسهّل انتشارها. حين يضطر رئيس الدولة إلى الرد بنفسه على مزاعم تتعلق بموقف مصر من معبر رفح، فذلك لا يعني فقط أن الهجمة شرسة، بل يكشف أيضًا عن عجز بعض مؤسساتنا الإعلامية عن أداء دورها الدفاعي والتوضيحي. كيف يمكن لإعلام نُنفق عليه المليارات أن يعجز عن تقديم رواية مقنعة ومبنية على الحقائق؟ كيف نسمح بأن يُترك المجال لخصوم الدولة ليملأوا الفراغ بالمعلومات الزائفة، في ظل غياب خطاب إعلامي قادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغة العقل والمنطق والبرهان؟

الإعلام المصري بحاجة إلى مراجعة شاملة. ليس المطلوب أن يتحول إلى منبر دعائي، بل أن يكون صوتًا وطنيًا واعيًا، يمتلك أدوات المواجهة، ويتحرر من الجمود، ويجدد لغته ووجوهه. لا بد من إتاحة هامش من الحرية المهنية المنضبطة، والسماح بطرح الروايات الموثقة، حتى لا تترك الساحة خالية أمام قنوات التحريض. كما أن الشعب نفسه عليه مسؤولية لا تقل أهمية، فكل هاتف ذكي يمكن أن يكون أداة لنقل الوعي أو لنشر الفتنة. الفارق الوحيد هو وعي صاحبه وقدرته على التحقق والتمييز.

مصر لم تتأخر يومًا في نصرة القضية الفلسطينية، بل دفعت من دماء أبنائها ثمناً باهظًا منذ نكبة 1948 وحتى اليوم. لم تتاجر بالقضية، ولم تربط دعمها بأي مكسب سياسي، بل كانت دومًا السند الحقيقي في أوقات الشدة، من استضافة المفاوضات، إلى إعادة الإعمار، إلى فتح المعابر رغم التهديدات الأمنية. والرد على المزاعم ليس فقط بتفنيدها، بل بكشف نواياها ومن يقف خلفها، وتوضيح أن من يروج لهذه الأكاذيب يخدم الاحتلال دون أن يدري أو بتخطيط مباشر.

الخطاب الرسمي للدولة المصرية كان واضحًا منذ بداية الأزمة، مؤكدًا أن القاهرة ترفض التهجير القسري، وتتمسك بحل الدولتين، وتعتبر أن ما يجري في غزة هو كارثة إنسانية تتحمل إسرائيل وحدها مسؤوليتها. هذه المواقف لم تُخف، بل أُعلنت في كل المحافل، وكررت في خطابات الرئيس عبد الفتاح السيسي وبيانات وزارة الخارجية. لذلك فإن تكرار الاتهامات تجاه مصر ليس جهلًا بالوقائع، بل تعمدًا في التشويه، وتصفية حسابات سياسية بوسائل رخيصة.

في ظل استمرار المأساة الإنسانية التي يعيشها أهلنا في قطاع غزة، يخرج علينا بعض قادة حركة حماس، وعلى رأسهم خليل الحية، بتصريحات لا تعبّر إلا عن محاولة يائسة لتصدير الأزمة، وتبرئة الذات، وتحميل مصر ما لا تحتمله من اتهامات باطلة ومواقف مجافية للحقيقة. حين يتحدث الحية من نعيم فنادق 7 نجوم، حيث يقيم بأمان بعيدًا عن ويلات القصف والجوع والدمار، فلا يمكن قراءة كلماته إلا بوصفها مزايدة فجّة على حساب الدم الفلسطيني، وركوبًا على معاناة الغزيين من أجل تصفية حسابات سياسية.

إن ما قاله الحية عن مصر وحدودها لا يمكن تفسيره إلا كمحاولة مستفزة ومكشوفة لتشويه دور القاهرة، التي لم تتخل يومًا عن القضية الفلسطينية، وقدمت – ولا تزال – الغالي والنفيس من أجل دعم شعب غزة، واحتضان ملف المصالحة، ورعاية مفاوضات الهدنة، وفتح معابرها لإدخال المساعدات رغم كل العراقيل الإسرائيلية. ومع ذلك، تأتي هذه التصريحات لتحاول تحميل مصر مسؤولية الحصار، متجاهلة عن عمد أن المعابر التي تسيطر عليها إسرائيل من جهة غزة مغلقة تمامًا، ولا يسمح للفلسطينيين بعبورها، بينما ظل معبر رفح – من الجانب المصري – مفتوحًا أمام المساعدات، والشاحنات، والجرحى، وسط ظروف أمنية شديدة التعقيد.


تصريحات الحية لا تمثل سوى وجه آخر من وجوه التضليل، وبدلًا من مواجهة الأسئلة الصعبة حول خيارات حماس السياسية والعسكرية، وموقعها من تعثر جهود وقف إطلاق النار، ومسؤوليتها تجاه سكان القطاع الذين يعانون الجوع والتشريد، يلجأ إلى اتهام مصر، وكأنها الطرف الذي يمنع المساعدات، في حين أن الوقائع والشهادات الميدانية، والبيانات الأممية، كلها تؤكد أن القاهرة هي الجهة الأولى التي تبادر بدعم غزة، وأن الاحتلال هو من يقصف، ويغلق، ويفرض الحصار.

لقد أصبحت هذه اللغة الاستفزازية عبئًا حتى على الفلسطينيين أنفسهم، ممن يدركون تمامًا حجم التضحيات المصرية منذ عام 1948 وحتى اليوم، ويدركون كذلك من الذي يملك قرار الحرب والسلم في القطاع، ومن الذي يدفع أبناء الشعب الفلسطيني إلى أتون معركة مفتوحة دون حماية، ثم يتخلى عنهم حين تشتد الضربات. والأهم من ذلك، أن من يقيم خارج الوطن لا يملك أخلاقيًا أن يزايد على من يدفع الثمن داخله، ولا أن يتهم شعبًا ودولة بحجم مصر، التي فتحت مستشفياتها، ومعابرها، وأجواءها، وقدمت الشهداء من جنودها دفاعًا عن القضية. وقد شهد الاخوة في غزة بذلك عبر رسائل تم بثها عبر السوشيال ميديا ، فهذه شهادات من يعمل العقل والمنطق، اما شهادات من ينفذون اجندات وخانوا أوطانهم فلا احد يسمع لهم.

على الحية ومن يشاطره هذه اللغة السامة، أن يتوقفوا عن إطلاق الاتهامات نحو مصر، وأن يوجّهوا خطاباتهم نحو الاحتلال الذي يقتل النساء والأطفال، ويمنع المساعدات، ويفرض الحصار، بدلًا من اختلاق خصومات مع الشقيقة الكبرى التي لا تزال، رغم كل شيء، تعمل لوقف إطلاق النار، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح.

إن معركة الوعي باتت أهم من أي وقت مضى، وعلينا جميعًا أن نكشف زيف هذا النوع من الخطاب المأزوم، الذي يحاول إعادة توجيه البوصلة نحو مصر، في حين أن الحقيقة يعرفها الجميع: إسرائيل هي من يغلق، ويقصف، ويمنع، بينما مصر هي من تسعى، وتفتح، وتُسعف، وتُفاوض. وإن كان هناك من يحاصر غزة، فليس من يرسل القوافل، بل من يمنعها على الطرف الآخر.

على قادة حماس أن يتواضعوا أمام تضحيات الشعب الفلسطيني، ويتوقفوا عن الاتجار بمعاناته، وأن يدركوا أن مسؤوليتهم الأساسية اليوم ليست إطلاق الشعارات، ولا حشد الجماهير ضد من يدعمهم، بل توحيد الصف، وإنقاذ المدنيين، والتعاون مع كل الجهود الصادقة، وعلى رأسها الجهد المصري، الذي لم يتوقف لحظة عن السعي لإنهاء هذه الكارثة.

ويبقى أن نقولها بوضوح: مصر لا تحتاج شهادة من أحد في دعمها لفلسطين، ولا ترد على كل من يُطلق الشتائم من فنادق آمنة بعيدًا عن صوت القنابل. لكن حين يصل التجاوز إلى حد التشكيك في ضمير هذه الأمة، يصبح الرد واجبًا، حتى لا تمر الأكاذيب على حساب الحقيقة، وحتى لا يُضلّل الرأي العام العربي.

فلسطين في قلب مصر، وستبقى، لكن على الجميع أن يدرك أن الصبر المصري ليس ضعفًا، وأن الكرامة لا تُشترى بالشعارات، وأن التاريخ لن يرحم من اتهموا زورًا، وخذلوا وقت المحنة.


أخيرا
في ختام هذه الصورة، لا يمكن النظر إلى ما تواجهه مصر باعتباره أزمة عابرة، بل هو امتداد لحرب ناعمة مستمرة تستهدف الدولة الوطنية المصرية ودورها المحوري في الإقليم. هي حرب لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالكلمة الزائفة، والصورة المفبركة، والتصريحات المسمومة من على منابر الخارج، كما فعل خليل الحية الذي اختار الهجوم على مصر بدلًا من مواجهة المحتل الذي يقتل شعبه ويغلق معابره. هذه المزايدات الرخيصة، التي يطلقها من الفنادق، ليست سوى جزء من هذا المخطط الأشمل لضرب ثقة الشعوب في دولها وتشويه مواقف راسخة دفعت فيها مصر من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها.


المطلوب الآن ليس مجرد الرد، بل المواجهة الواعية، بأن يتكاتف الشعب مع مؤسساته، وأن يستعيد الإعلام دوره بقوة لا بتردد، بخطاب عقلاني يعتمد على الحقائق والأرقام لا على الانفعال، بخطاب يكشف التضليل ولا ينساق إليه. مصر لا ترد على الشتائم بالمثل، بل تكشف نوايا مطلقيها وتضعهم أمام مرآة التاريخ. قوتها في وعي أبنائها، في مواقفها الثابتة، في سجلها الطويل من الدعم الصادق للقضية الفلسطينية. الدفاع عن مصر اليوم يبدأ من تحصين الوعي، من كشف الزيف، من بناء جدار إعلامي ومجتمعي لا تخترقه حملات التشويه مهما اشتدت، ولا تزعزعه أبواق مأجورة، مهما علا صراخها.
مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة