يعيش رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، اسوأ كوابيسه السياسية، التي تتلخص في تداعيات ما بعد التوقيع على الصفقة الوشيكة الخاصة بقطاع غزة. هو يدرك الخطر جيدا، ويريد الصفقة لكن في نفس الوقت لا يعرف كيف ستسير الأمور. وماذا سيحدث في اليوم 61 إذا لم تستسلم حماس؟ وهل ستتمكن إسرائيل من القتال مرة أخرى؟ وهل سيكون هناك من يدعمه دوليا في مثل هذه الخطوة؟ والأهم من ذلك هو كيف سيكون مستقبل العلاقات مع الرئيس الامريكي دونالد ترامب؟
منذ اندلاع الحرب في غزة، تمسك نتنياهو، بموقفه المتشدد الذي يربط وقف العمليات العسكرية في القطاع بالقضاء التام على "حماس".. ونحن نقترب من دخول الحرب عامها الثالث، لا يبدو في الأفق حتى الآن أنه اقترب من تحقيق أي من اهدافه المعلنة سواء بالإفراج عن المحتجزين لدي الحركة او اجتثاث حماس من غزة.
لكن في الأسابيع الأخيرة، تغير شيء ما. ليس في أهداف الحرب المعلنة، لكنه الاسلوب والكلمات ومضمونها.. منذ أيام، تحدث نتنياهو علنا عن إنهاء الحرب في إطار اقتراح الصفقة المطروحة حاليا على طاولة الوسطاء في القاهرة والدوحة. وقبلها في اجتماع مع عائلات المختطفين في واشنطن، قال نتنياهو بشكل لا لبس فيه: "إذا تم المضي قدما في الصفقة، ستبدأ المفاوضات حول نهاية الحرب على الفور، وليس في نهاية فترة ال 60 يوما. وأضاف: "الهدف بعد 60 يوما هو إنهاء الحرب".
في السياسة لا شيء يقال بدون سبب او غرض، وهذه تصريحات لا تترك مجالا للشك في تحول المواقف، خاصة مع الحسم الذي ابداه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عندما قال: "سأكون حازما جدا مع نتنياهو بشأن إنهاء الحرب في غزة".
علي الجانب الأخر، بدت اسرائيل مكشوفة ومتورطة بالكامل في سياسة التجويع الاجرامية التي تطبقها على سكان القطاع دون اي مبرر، في الوقت الذي تمنع وترفض استقبال الالاف من الشاحنات المكدسة على معبر رفح المصري من عدة أشهر في انتظار السماح لها من الجانب الاسرائيلي.
نتنياهو، الذي يشتد عليه الخناق داخليا وخارجيا يريد كسب المزيد من الوقت والحصول على صفقة مؤقتة أخرى تسمح له بالبقاء في السلطة مع حكومته، وفي نفس الوقت تحول دون خسارة الطرف الامريكي الذي يوفر له كل الدعم المطلوب.. لذا فهو يسعي جاهدا لوقف القتال وليس إنهاء الحرب بالكامل، وإستعادة نصف الرهائن أحياء الي ذويهم. في هذه الحالة فقط يكون قد أرضي تقريبا كل الأطراف الضاغطة عليه، أهالي الرهائن، الأحزاب اليمينية المتشددة في الائتلاف الحاكم، وتجنب غضب ترامب الوشيك.
الإشارات الصادرة من البيت الأبيض، تؤكد أن واشنطن، وتحديدا ترامب هذه المرة - على عكس وقف إطلاق النار السابق - لن يسمح بالعودة التلقائية للقتال بعد 60 يوما. فهو مصمم على إنهاء الحرب والخروج من هذا الحدث باعتباره "صانع سلام" كما فعلها في الحرب بين الهند وباكستان، واستكمالا لحلمه المعلن الفوز بجائزة نوبل للسلام، الذي أصبح على استعداد لكسر كل الثوابت السابقة للوصول اليها، حتى لو كان اجبار اسرائيل حليف امريكا الاول والاستراتيجي في المنطقة للسير في اتجاه ضد رغبه تل ابيب.
المسار الذي يراه نتنياهو أمامه يتضمن تهديدا مزدوجا بالنسبة له: إذا وافق على اتفاق بدون امكانية واضحة لاستئناف القتال، فإنه يخاطر بخسارة الائتلاف. وإذا أصر على إبقاء هذا الخيار لديه، فانه قد يفقد دعم ترامب ويضعه في مواجهة مباشرة معه.. يبدو في هذه اللحظة أن الصدام بين السياسة الداخلية والضغط السياسي من الخارج أمر لا مفر منه، أو أنه -نتنياهو- يغامر ليس بمستقبله، ولكن بمستقبل كل الكيان الاسرائيلي.
والمشكلة كما قلنا لا تقتصر على السياق السياسي الخارجي. لقد أوضح الوزراء سموتريتش وبن غفير، شركائه الرئيسيون في الائتلاف، أنهم لن يدعموا إنهاء الحرب ما دامت حماس باقية بأي شكل من الأشكال مدنيا او عسكريا. وحتى لو طرح اقتراح لترتيب إقليمي واسع النطاق بما في ذلك اتفاقات سلام جديدة على الطاولة بالنسبة لهم، فإن حماس ما دامت على قيد الحياة، فإن الإنجاز السياسي باطل وغير شرعي من وجهة نظرهم.
لهذا السبب يفضل نتنياهو صفقة جزئية: إنقاذ 10 رهائن أحياء و18 قتيلا، مقابل وقف محدود لإطلاق النار، وبعد ذلك، إذا لم تكن حماس مستعدة للاستسلام، وقتها سيكون الباب مفتوحا للعودة إلى القتال مرة اخري. لكن إذا اتضح أن الصفقة ستلزم إسرائيل بإنهاء القتال، فسيكون ذلك ثمنا لائتلاف نتنياهو. سيتعين عليه الاختيار بين الرغبة في إعادة الرهائن وبقائه السياسي.
بالتأكيد سيحاول نتنياهو، كالعادة، المناورة. لقد فعل ذلك عدة مرات في الماضي ونجح في بعضها. لكن هذه المرة هو يسير في حقل ألغام سياسي وأمني وسياسي لا يوجد فيه مجال كبير للمناورة. كما أن ترامب ليس لاعبا ثانويا يمكن القفز فوقه. إنه رئيس أمريكي يسعى إلى الحصول على جائزة نوبل - وفي رؤيته، غزة ليست سوى خطوة على طريق صفقة إقليمية ضخمة يتم الاعداد لها... فعليا من الصعب معرفة ما إذا كان سينجح مرة أخرى، أو أنها ستكون صفقته الأخيرة.