طيب القول
طَفَت على سطحِ مجتمعنا المُعاصر الكثيرُ من الظواهر والسلوكيّات الغريبة بل الشاذّة عن قِيَمِنا وعاداتنا وأخلاقيَّاتنا، لدرجة أنّنا صِرْنا نتَعحَّب، من أين؟ وكيف؟ وهل نحن فعلا كذلك؟!
جرائم لم نكُنْ نتخيَّل وقوعَها، أفعالٌ ينْدى لها الجَبين يأتيها أصحابُها وهم يفتخرون ويزْهون، بل ينْظرون لمن يسْتَهْجِنَها بِطَرْفٍ خَفِيٍّ، استنكارًا واستِخْفَافًا واستهزاءً، ورغم كلّ هذا فالمجتمع يُقدِّم أولئك النماذج على أنهم القدوة والمَثَل الأعلى الذي يجب أن يُحتذى، إذا أرَدْنا تَقَدُّمًا وتحضُّرًا!
مِهَنٌ ومُسمَّيَات ما أنْزَل الله بها من سُلطان، اقتحمت حياتنا وصار أصحابها بين عَشِيَّةٍ وضُحاها من نجوم المجتمع وقادته، يُنَظِّرُون ويُخطِّطون لمُستقبلنا وأهلنا وبلادنا، وبيوتُهم كـ"بِيوتِ العنْكبوت"!
يجمعون الأموال الطائلة من "الهَوا" ويتَسَلَّقون على أكتاف الأوفياء المُخْلِصِين فى رِياءٍ مفضوح ونفاقٍ مكْشوف!
وللأسف الشديد، كان المسئول الأول عن ذيوع وشُهرة أولئك النَفَرِ ما عُرف بوسائل التواصل الحديثة، التي من المُفترض أنها تُقَرِّبُ البعيد، وتُسهِّل الصعب، وتنشر العلم والوعى، فكانت على العكس تمامًا.
وساعدها فى تخريبها وتدميرها، الغيابُ الواضح بل المُتَعَمَّد لدُور المؤسسات الرئيسية المنوْط بها التربية والتنشئة والتعليم، وعلى رأسها: الأُسْرة، المدرسة، الجامعة، المسجد والكنيسة، وأيضا الإعلام الذي غاب أو غُيِّبَ عن القيام بدوره، بل أصبح لاهِثًا وراء ما تصنعه السوشيال ميديا من أبطال كارتونية وهميّة، وقصصٍ وحكايات مُفَبْرَكَة ضالَّة مُضَلِّلَة تفتقر لأبْسَط قواعد وأسس المصداقية والأخلاق والإنسانية. مع اعترافنا وتسليمنا بدورها الإيجابي فى كثيرٍ من المناحِي، غيرَ أن السلبيّات تطْغَى على الإيجابيات، بل هي أشدُّ خطرًا وتدميرًا من تأثير "القُنْبُلةِ النووية"!
انخدع شبابُنا بما تروّجه تلك "الميديا" من أبطال مزعومين، وماتَ كبارُنا منهم كَمَدًا وأَلَمًا على ما أنفقوه من أعمارهم ولم يجْنوا نصف ولا حتى رُبع ما اكتسبه أولئك الفُقَّاعات المُلوَّنة المُلوَّثَة والمُلوِّثَة لمن حولها!
لكنهم مع ذلك سرعان ما يتساقطون كأوراق الشجر فى الخريف، تجْرِفهم الريح إلى حيث يستَحِقّون، بعد أن عاثوا فى المجتمع فسادًا وإفسادًا، ولم يتركوا خُلُقًا ولا فضيلةً إلا وانتهكوها ودمَّروها، وأشاعوا الشاذَّ من السلوكيات والأفكار فيما بين الشباب وكأنّها هى "أخلاقُ التحضُّر والتَمَدُّن" في حين أنها بعيدة كل البُعد عن هذه الكلمات ولا يمكن أن تكون إلا "تصرّفات التخَلُّف والرجعية" حيث قانون الغاب والهمجية وعدم احترام الإنسانية!
وسط هذه الحالة من القَتَامة والسواد الحالِك، والهالِك لكلّ القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية، يُرسِل لنا الخالِقُ سبحانه وتعالى رسائل اليقظة والإفاقة ليؤكّد أنه لا ولن يصحَّ إلا الصحيح.
وأن مجتمعنا وشبابنا مازال- وسيظل- بخير إن شاء الله، فمصرُنا محروسة برعاية الله وحفْظه، وأن تلك الفُقَّاعات ليست إلا غُثَاء سَيْل لن يصمد أمام الحقّ والصواب وما ينبغي أن يكون.
فها هم أبناؤنا الحقيقيّون الذين تخطّوا الصعاب وتغلّبوا على الأزمات التي يُكابدونها- بتوفيق الله ومساندة أهليهم- فكانوا نجوم مصر الزاهرة، في الشهادات العلمية المختلفة، من الثانوية العامّة والأزهريّة، والذين نُعوِّل عليهم كثيرًا فى المرحلة المُقبلة، ونحن نُسارع الخُطَى لبناء "الجمهورية الجديدة" بعقول وسواعد مثل هؤلاء النوابغ والأفذاذ الذين تزْخَر بهم مصرُ المحروسة فى كلّ ربوعها، فمصرُنا كما عَرِفها التاريخ، وشهِد لها العدوُّ قَبْلَ الصديْق، أُمَّةٌ "ولَّادة" وفى كل مجالات الحياة، فهى غنيّة بثروتها البَشَرِيَّة التى لا تنْضب بإذن الله أبدًا.
هذه هى مصر التى يعرفها الجميع بريادتها وحضارتها وتاريخها التَلِيْد، الذي يضربُ فى أعماق التاريخ لأكثر من سبعة آلاف عامٍ من الحضارة الإنسانية المُتقدِّمة فى شتَّى المجالات. وإذا كانت هناك مقولة تُنْسَب للشيخ الألبانى (يا رايح مصر منّك ألف)، فالواقع يؤكّد تَغَيُّر هذه المقولة لتصبح (يا رايح مصر منّك مليون، إن لم يكن ملايين).
فلندعو الله دائمًا وأبدًا بأن "تحيا مصر" محْفُوظًة بحِفْظِه ورعايته.