رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معًا للمستقبل

من مآثر ثورة يوليو التي تحل ذكراها الثالثة والسبعون بعد أيام أن ولد في كنفها جريدة الجمهورية التي وقِّع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بيده طلب إنشائها، ثم خطّ بقلمه افتتاحيتها الأولى بوصفها ابنة تلك الثورة، وقدّم السادات 300 جنيه ضمانة شخصية كي توافق إدارة المطبوعات على صدورها ثم عمل مديرًا عامًا لها فرئيسًا لمجلس إدارتها..وافتتح الرئيس الراحل مبارك مطبعتها ومبناها الجديد.
بين الثورة والجريدة ارتباط عضوي؛ فالأولى أعطت لشعب مصر مكاسب عديدة لم يكن الشعب المصري يحلم بها وقتها؛ فلولاها ما تملك الفلاحون أرضا ولظلوا أجراء لدى الغير يقتاتون الفتات ..وما تعلم بالمجان أبناء الفقراء ونحن منهم في مدارس تخرج فيها نوابغ كثر أمثال الدكاترة مصطفى مشرفة وفاروق الباز وأحمد زويل ومصطفى كامل السيد ومجدي يعقوب وغيرهم..فهؤلاء وأمثالهم تلقوا تعليماً راقياً في مدارس مصر وجامعاتها جعلهم مؤهلين للحاق بركب العالمية بصورة ربما تفوق ما تلقاه وقتها طلاب في مدارس وجامعات أوروبية.

* ارتباط الجريدة بالثورة أريد به أن تكون الصحيفة لسان حال الثورة والناطق الرسمي باسمها، الداعم لقراراتها وتوجهاتها في الداخل والخارج.. لكن ذلك لم يمنع أن يكون للجريدة شخصيتها، بإخلاصها لجمهورها ورسالتها؛ فسايرت الأحداث الكبرى في زمانها، وناصرت قضايا أمتها، وناضلت ضد الاستعمار، ومدت يد العون لحركات التحرر الوطنى في كل الدنيا، داعية لسياسة عدم الانحياز ومبادئ الاشتراكية التي يممت مصر إليها وجهها منذ عام 1960، كما دافعت باستماتة عن حق شعب فلسطين وقضيته التي لا تزال تراوح مكانها في متاهات التفاوض المراوغ بسبب الأطماع الإسرائيلية مدفوعة بدعم أمريكي سافر ما يدفع المنطقة كلها لحافة الخطر.
• تاريخيًّا ..كانت الجمهورية أول جريدة يومية تصدرها ثورة يوليو، وقد أريد لها في البدء أن تكون صحيفة رأي، فأفردت للمقالات مساحة كبيرة على صفحاتها، وتناولت قضايا إنسانية عديدة كالحرية والمساواة والإخاء والتسامح، ومواجهة الفساد بشتى صوره؛ لكنها سرعان ما تجاوبت مع سنن التطور ومتطلباته، ولم تكتف بهذا اللون الصحفي على أهميته، بل تحولت كغيرها من بنات عصرها لصحافة الخبر الذي تربع على عرش صاحبة الجلالة قبل بزوغ ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وصار عماد الصحافة اليومية وركيزة التحقيقات في المجلات الأسبوعية.
والمتأمل لمسيرة "الجمهورية" وتاريخها يجدها صوتاً للشعب ومدافعاً عن قضاياه، اهتمت بشواغل الوطن وهموم المواطن وأحلامه وطموحاتها.. تتحسس نبضه، وتستشرف طموحاته وتلبي احتياجاته وتتبنى مطالبه ومظالمه لتضعها بين أيدي المسئولين حتى ارتقت يوماً أعلى درجات المجد وازداد الإقبال عليها حتى وصل توزيعها لأكثر من 850 ألف نسخة، وقد شهدت أرقام التوزيع زيادة على أيدي الأساتذة الكبار: محسن محمد وسمير رجب ومحفوظ الأنصاري.
• وفي ظل تسارع الأحداث يممت الجمهورية وجهها شطر قرائها لتشبع نهمهم في معرفة ما يجري حولهم ولم تقف عند حدود الخبر بل قدمت لقرائها معلومات متنوعة ذات إيقاع سريع زاد من التفافهم حولها؛ حتى عرفت بحسبانها صحيفة الشعب، تقدم خدمات متميزة لقرائها الذين أحسوا بفطرتهم الصافية إزاءها بأنها تجاوب صادق وصائب لكل ما يجول في نفوسهم من آمال وآلام وطموحات وأحلام ، وأنها ساعدهم الأيمن في نيل حقوقهم ودرء الظلم عنهم عبر التواصل الجاد مع المسئولين نيابة عنهم وهو الدور الذي نهض به بامتياز خطها الساخن (139 جمهورية) الذي انفردت به "الجمهورية" على سائر الصحف ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي كله؛ فمندوبوه لا يكلون ولا يملون في استقبال شكاوى الجمهور واستغاثاته يطوفون بها على المصالح والأجهزة الحكومية المختلفة، ويطرقون أبواب المسئولين والوزراء بحثاً عن حق تأخر عن صاحبه، أو دفعاً لمشقة قد لا يطيقها ذوو الحاجة.. وهم حين يفعلون ذلك يؤدون أول رسالة "الجمهورية" التي تقدم للناس كافة، فضلاً على قرائها، ما يحتاجون إليه في أعمالهم ومعاملاتهم ورحلاتهم وأسفارهم..فأين ذهب "الخط الساخن"؛ الرقم المميز والخدمات المتفردة..؟!
أما لماذا حققت الجمهورية تلك القفزة الكبيرة في أرقام توزيعها ..فإن ذلك يعيدنا إلى ما انتهجته الصحيفة من خط تحريري متميز، أخلصت فيه لقرائها ورسالتها وهو ما يعد درسًا يجب أن تمعن الأجيال الجديدة النظر فيه حتى يشتد عزمهم ويتواصل عطاؤهم لرفعة شأن مؤسستهم العريقة في مواجهة ظروف صعبة تواجه صناعة الصحافة برمتها.


ثورة يوليو شأنها شأن كل الثورات هي عملٌ بشري يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ..ومن ثم فقد أصاب فيها من أصاب وأخطأ من أخطأ وارتفع معها من ارتفع وهوى من هوى وربح من ربح وخسر من خسر.. ومن هنا تتباين المواقف ما بين التأييد والقبول أو الرفض والتحفظ ..فكل طرف يبني قناعاته ومواقفه انطلاقاً مما حققته له الثورة من مصالح ومكاسب أو ما نزعته عنه من تلك المكاسب..لكن رغم ذلك فستظل تلك الثورة المجيدة بنجاحاتها وإخفاقاتها نقطة تحول فارقة في تاريخ مصر والمنطقة كلها..وليس بوسع أي منصف إلا أن ينحنى لها إجلالاً لما أحدثته من منجزات سياسية واقتصادية واجتماعية وما أسفرت عنه من تغيرات جذرية في حياة شعب مصر بل وشعوب المنطقة العربية والإفريقية التي استلهمت منها روح التحرر والفكاك من نير الاستعمار البغيض..وهو ما ينبغي أن نبينه للأجيال الجديدة التي لم تقرأ التاريخ ولم تعاصر ذلك الحدث التاريخي شديد الأهمية.
ما ينبغي أن تتذكره أجيال اليوم من الصحفيين أبناء دار التحرير أن "الجمهورية" منذ خرجت للنور خاطبت جميع فئات المجتمع مع انحياز واضح للبسطاء منهم، بما تقدمه صفحاتها المتنوعة وملاحقها المتخصصة، ورغم أنها صدرت في أجواء صحفية شديدة التنافسية فسرعان ما أثبتت كفاءتها، وانطلقت تؤدي رسالتها على مدى أكثر من نصف قرن، ترصد ما يجري حولها من أحداث على الصعيدين العربي والعالمي؛ ذلك أن الله قيض لها كوكبة من الصحفيين والكتاب العظام الذين ازدادت بهم شهرتها وذاع صيتها وعلا شأنها، وتعاقب على رئاسة مجلس إدارتها وتحريرها حتى أحداث يناير ٣٠١١ نخبة متميزة وشخصيات ذوو شأن من رجال الثورة والسياسة والأدب والثقافة والصحافة، نذكر منهم الرئيس الراحل أنور السادات، حسين فهمي، جلال الدين الحمامصي، أحمد قاسم جودة، كامل الشناوي، صلاح سالم، إبراهيم نوار، إسماعيل الحبروك، طه حسين، موسى صبري، ناصر النشاشيبي، كمال الدين الحناوي، حلمي سلام، مصطفى بهجت بدوي، فتحي غانم، عبد المنعم الصاوي، محسن محمد، وسمير رجب ومحمد أبو الحديد، ومحمد على إبراهيم وعلى هاشم وقد حافظت الجمهورية على توزيعها ومكاسبها حتى وقعت أحداث يناير 2011، فتعاقب على رئاسة مجلس إدارتها الزملاء: خالد بكير ومصطفى هديب وجلاء جاب الله وسعد سليم إياد أبو الحجاج والمهندس طارق لطفي، بينما تعاقب على رئاسة التحرير الزملاء: جمال عبدالرحيم وسيد البابلي وفهمي عنبة وعبد الرازق توفيق وأحمد أيوب.
تاريخ طويل قطعته الجمهورية لتسطر تاريخًا يستحق أن يروى بأمجاده وإنجازاته، لنستلهم منه الدروس والعبر في أوقات صعبة، تحتاج فيه صحافتنا وإعلامنا كله أن تعيد قراءة المشهد الجديد بمتغيراته وتحدياته التي تهدد بسحب البساط من تحت أقدامها وأكبر دليل ما نراه اليوم من تطور مذهل لوسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية تصدرت فيه "البود كاست" مثلا المشهد بأرقام مشاهدات عالية جدًا؛ خصمًا من رصيد الإعلام التقليدي كله، تمامًا كما فعلت الصحافة الإلكترونية في بداياتها ثم ظلت تكسب يومًا بعد يوم أرضاً جديدة وتتسع رقعتها وتجتذب قراءً جدداً، وتستحوذ على نصيب متزايد من السوق الإعلانية تسندها عوامل عديدة تجعلها أكثر انطلاقاً وجاذبية وأقل كلفة ومشقة وأسرع وصولاً للحدث وملاحقة لمستجداته ..والسؤال: هل نحن مستعدون لمواجهة هذا الفيض المنهمر من الوسائل الجديدة للإعلام ..هل نحن مؤهلون للمواجهة ببنية تكنولوجية وكوادر مدربة ورؤية استشرافية لآفاق هذا العالم المتطور ..؟
أما ثورة يوليو فينبغي إعادة قراءة تاريخنا دون قناعات مسبقة أو انحيازات مطلقة، ودون أن نلوى أعناق الحقائق أو نعبث بتاريخ الشعوب
فقد انقضى عصر الثورة وانطفأت أضواؤها وفرغت من أكل بنيها ..ثم تهيأت الفرصة لخصومها فنهشوها والتهموا ما تبقى منها وألا تستسلم الأجيال الحالية لما يروجه الإعلام من قشور في الأفلام والأغاني التي لا يزال بعضها على تكراره مصدر إمتاع وإلهام كبيرين يتلقاهما الناس بشغف هائل..لكن هل يمكن بهذه الطريقة بناء الوعي الحق بالتاريخ لدى المواطن أو بناء الإنسان بمعزل عن هذا الوعي..؟!
وأخيرًا لا ينكر فضل ثورة يوليو إلا جاحد لم يقرأ ما أحدثته تلك الثورة من تحولات اجتماعية وسياسية خطيرة أعادت صياغة المجتمع على أسس أكثر عدالة وإنسانية ..فهل يبادر المؤرخون الأمناء والجادون بإعادة صياغة هذا التاريخ بإنصاف حتى يعلم أبناؤنا وأحفادنا كم نحن مدينون لهذه الثورة بما نحن فيه اليوم وحتى يدركوا حقيقة ما جرى في مصر وما أريد لها و ما يراد بها..؟!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة