رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط


بعد غياب لسنوات كثيرة قضاها خارج مصر، عاد الكاتب والسيناريست والإعلامي يوسف معاطي إلى الساحة الإعلامية والفنية من جديد، في لقاء خاص طال انتظاره، من خلال ظهوره في برنامج "واحد من الناس" مع الدكتور عمرو الليثي. هذا اللقاء لم يكن مجرد ظهور إعلامي عابر، بل شكّل عودة فنية وإنسانية استثنائية، حملت معها شحنة من الصدق والتأمل والاعترافات، وأعادت إلى الواجهة واحداً من أبرز صنّاع الدراما والسيناريو في مصر خلال العقود الماضية.
تربطني بالكاتب والسيناريست والإعلامي الكبير يوسف معاطي صداقة عميقة وطويلة الأمد، صداقة لم تكن مجرد زمالة عابرة، بل رافقت عن قرب مسيرته الإبداعية بكل ما فيها من تنوع وتألق. كنت شاهدًا على ميلاد الكثير من أعماله التي أصبحت علامات بارزة في وجدان الجمهور، من مجموعته الساخرة "إرهابيات وشارونيات"، إلى فيلمه الجماهيري "عريس من جهة أمنية"، ومسلسله الكوميدي الاجتماعي "أدهم وزينات وثلاث بنات"، وغيرها من الأعمال التي لمست قلوب الناس وتركت بصمة لا تُنسى في الوعي الثقافي المصري. وإلى جانب تألقه في الكتابة الدرامية، فإن كتبه، التي كان يهديني إياها بمحبة، ما زالت تضيء مكتبي وتحمل في طياتها فكرًا ساخرًا عميقًا ونظرة إنسانية ثرية. أما في الإعلام، فقد تألق من خلال برامجه التلفزيونية، وفي مقدمتها برنامجه "أظن... هذا المساء" على شاشة التلفزيون المصري، الذي نسج فيه بخفة ظله ورصانته أسلوبًا خاصًا لا يشبه أحدًا سواه. يوسف معاطي ليس مجرد كاتب، بل حالة إبداعية متكاملة، يمتلك موهبة نادرة تمزج بين السخرية اللاذعة والدراما الرشيقة، وبين التأمل العميق والطرح السلس، وله في الإعلام حضور فريد، خاصة في برامج الكاميرا الخفية التي ترك فيها بصماته اللامعة وروحه المرحة التي لا تُنسى وبرنامجه الرائع الست دي امي .. يوسف بيكتب برامجه من قلبه بدليل النجاحات الكبير لكل ما قدم . اهلا بك يا جو.
كانت صداقتي به تجربة فكرية وإنسانية ثرية، استمتعت خلالها بصحبته الإبداعية التي لا تخلو من مفاجآت وعمق وإنسانية، ولا يسعني إلا أن أُعرب عن سعادتي الغامرة بعودته المرتقبة، التي أوقن أنها ستترك أثرًا إيجابيًا كبيرًا على الساحة الأدبية والدرامية، محمّلة بثقل رحلته الطويلة وتجربته الثرية التي اختار أن يتأملها من بعيد ليعود ويمنحنا المزيد من الإبداع والنضج والرؤية المتجددة.
استطاع الدكتور عمرو الليثي أن يحقق سبقاً إعلامياً مهماً بلقاء حصري مع يوسف معاطي بعد سنوات طويلة من الغياب، ليُسجَّل هذا الظهور كواحد من أبرز الإنجازات والانفردات الإعلامية في الفترة الأخيرة، لما يحمله من قيمة مهنية وإنسانية كبيرة. فعودة معاطي من خلال هذا اللقاء لم تكن مجرد ظهور إعلامي، بل ضربة ناجحة " ضربة معلم "ساهمت في رفع نسب المشاهدة للبرنامج بشكل ملحوظ، وأثارت تفاعلاً واسعاً مع شخصية ظل أثرها حاضراً في الذاكرة الفنية. الليثي، بما يمتلكه من خبرة عميقة كإعلامي وصحفي ومخرج، اقتنص لحظة استثنائية وحوّلها إلى مادة إعلامية مؤثرة، اعتمدت على الإعداد الدقيق، والحوار الذكي، والقدرة على استنطاق الضيف في لحظة فارقة من حياته ،. هذا الانفراد يعكس بوضوح قدرة عمرو الليثي على تقديم محتوى مختلف وفاعل، ويؤكد مكانته كأحد أبرز الإعلاميين القادرين على تسليط الضوء على الشخصيات المؤثرة بأسلوب يحترم عقل المشاهد ويمنحه محتوى حقيقياً نابضاً بالحياة.في حواره الصريح، نفى يوسف معاطي الشائعات التي دارت حول مرضه أو اعتزاله أو سفره بسبب ظروف عائلية، مؤكداً أن قراره بالابتعاد كان نابعاً من رغبة شخصية في التوقف والتأمل وإعادة ترتيب الأفكار. لم يكن الغياب بدافع الإحباط، بل كان محاولة للكتابة خارج قيود الموسم الرمضاني وضغوط السوق، بحثاً عن الحرية الإبداعية والنضج الفني.
ولا يمكن إغفال الصداقة الحقيقية التي تجمع بين عمرو الليثي ويوسف معاطي، وهي علاقة إنسانية ممتدة تتجاوز حدود العمل، وكنت شاهداً عليها في أكثر من موقف، حيث جمعت بينهما أحاديث فكرية وإنسانية عميقة تعكس الاحترام المتبادل والمحبة الصادقة. هذه العلاقة أضفت على اللقاء روحاً خاصة ودفئاً واضحاً في الحوار، جعل المشاهد يشعر بصدق الكلمات وعمق المشاعر، وأسهمت في إخراج حوار من نوع مختلف، فيه القرب والصدق والاحترام.
تحدث عن التغيرات الكبيرة التي شهدها المجتمع المصري بعد عام 2011، مشيراً إلى أن هذه التحولات فرضت على الكاتب ضرورة التفكير العميق في طبيعة ما يُقدم للجمهور. وأشار إلى مفارقة درامية لافتة تتعلق بعدم انعكاس التنوع السكاني والاجتماعي في الأعمال الفنية، متسائلاً: كيف يمكن أن نصدق أن لدينا ملايين الأشقاء العرب في مصر ولا نجد أثراً لهم في الدراما؟ هذا السؤال يعكس رؤيته العميقة لدور الفن في تمثيل الواقع بكل مكوناته، ويشير إلى الحاجة لتحديث الرؤية الدرامية بما يتوافق مع التحولات المجتمعية.
سنوات الغياب التي قضاها بين فرنسا وإنجلترا وإيطاليا كانت مليئة بالتأمل والمراقبة والتغذية الثقافية، حيث تابع العروض المسرحية، وقرأ، وترجم، وكتب بعيداً عن الأضواء. هذه الفترة، كما وصفها، لم تكن فراغاً، بل كانت حالة من العزلة الإبداعية التي قادته إلى مراجعة تجربته والعودة أكثر قوة ونضجاً.
أثارالصديق العزيز يوسف معاطي الجدل برأيه في ورش الكتابة وانا اؤيده فيما قال ، التي أكد أنها لا تصنع كتّاباً كباراً، لأنها تفتقد إلى البصمة الفردية، مشيراً إلى أن الحوار الدرامي في مصر يحتاج إلى إعادة نظر جذرية، ليكون أكثر صدقاً وتعبيراً عن الناس. رغم أنه لا يرفض فكرة الورش من حيث المبدأ، لكنه يرى أنها ليست البيئة التي تكتشف العباقرة، وضرب مثلاً بأعمال غربية ناجحة تستخدم الورش لكنها تعتمد على أسلوب إنتاج مختلف تماماً.
اللقاء اكتسب طابعاً إنسانياً مؤثراً مع المداخلة الهاتفية التي تلقاها من الفنان يحيى الفخراني، الذي عبّر عن سعادته بعودة معاطي، وطالبه بعدم السفر مجدداً، مؤكداً أن غيابه كان خسارة لا يمكن تعويضها. وتحدث الفخراني عن كواليس مشهد وفاة "ماما نونة" في أحد المسلسلات الشهيرة، مشيراً إلى أن يوسف معاطي كتب المشهد وهو يعيش حزنه الشخصي على رحيل والدته، ما منح الكتابة عمقاً وشحنة عاطفية نادرة. معاطي أكد ذلك، وذكر أنه كتب المشهد والدموع تنهمر من عينيه، مشيداً بتجربته مع الفخراني، ومتمنياً أن تجمعهما أعمال جديدة.
اللقاء الذي يمتد على اكثر من حلقة ، كشف ويكشف الكثير من الأسرار المتعلقة بأعماله، ويطرح رؤيته الفنية بوضوح وصراحة، ويعيد تسليط الضوء على مشواره الغني مع نجوم الدراما والسينما، وعلى رأسهم النجم الكبير الذي ارتبط اسمه به في عدد كبير من الأفلام والمسلسلات الناجحة التي شكّلت علامة فارقة في مشهد الفن المصري الزعيم عادل امام .


اخيرا
يوسف معاطي يعود اليوم إلى جمهوره بعد غياب عبر واحد من الناس ، لا ليقدم مجرد أعمال جديدة، بل ليعيد طرح أسئلة جوهرية عن معنى الفن، ودور الكاتب، ومسؤولية الدراما تجاه المجتمع. عودته لا تنحصر في سياق شخصي، بل تمثل لحظة أمل لفن راقٍ يعبر بصدق عن الواقع، ويطرح قضايا الناس دون تزييف أو ابتذال ، خاصة وان الدراما المصرية جققت نجاحات رايناها ونراها علي الشاشات تؤكد ان الدراما المصرية قادرة علي العودة كقوة مصر الناعمة.

إنها عودة تحمل دلالات فكرية وثقافية، وتفتح الباب واسعاً أمام مرحلة جديدة في مسيرة كاتب ترك بصمة لا تُنسى، وها هو يعود، لا ليستكمل ما بدأ، بل ليبدأ من جديد بنضج أكبر ووعي أعمق.


مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة