لا تفهمونا غلط
احتفلت مصر أمس الحادي والعشرين من يوليو بذكرى مرور خمسة وستين عامًا على انطلاق البث الرسمي للتليفزيون العربي المصري، والذي شكل علامة فارقة في تاريخ الإعلام الوطني والعربي، ونقطة تحول كبرى في مسيرة الوعي والثقافة والفكر في المجتمع المصري. ففي عام 1960، خرج أول بث تليفزيوني من مبنى ماسبيرو، ليبدأ فصلًا جديدًا في العلاقة بين الدولة والمواطن، وليصبح التليفزيون نافذة واسعة تُطل منها مصر على العالم، ويُطل منها العالم على مصر، حاملة معها صورة الوطن، وتاريخه، وهويته، وتطلعاته نحو المستقبل.
لم يكن التليفزيون العربي المصري مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو عرض البرامج الترفيهية، بل كان ولا يزال مشروعًا وطنيًا في الأساس، له دوره العميق في تشكيل الوعي الجمعي، وترسيخ القيم، ونشر الثقافة، وفتح آفاق جديدة للتعليم والفن والفكر. فمنذ اللحظة الأولى لانطلاقه، تبنّى التليفزيون رسالته التنويرية، فقدم باقة متنوعة من البرامج التي ساهمت في رفع المستوى الثقافي والمعرفي للمجتمع، سواء عبر المسلسلات الدرامية أو الأفلام الوثائقية أو البرامج التعليمية وغيرها من برامج شكلت الوعي المصري والعربي وساعدت في نشر اللهجة المصرية ، وفكانت مزيجًا متكاملًا من التثقيف والترفيه.
على مدار العقود الماضية، كان التليفزيون شاهدًا على الأحداث الكبرى التي مرت بها البلاد، من انتصاراتها إلى أزماتها، ومن تحولاتها السياسية إلى إنجازاتها الاقتصادية. نقل لحظات الانتصار والفخر الوطني، ووثق خطب الزعماء، وأفرد المساحات للقضايا المصيرية التي شكلت وعي الأجيال. كما كان نافذة مفتوحة على الأحداث العالمية، حيث تابع المواطن المصري والعربي ما يدور في العالم من حوله، بعيون ووجدان مصريين، مما عزز دوره كوسيلة لتشكيل الرأي العام والتفاعل مع قضايا الأمة.
ولعل أبرز ما يميز التليفزيون العربي المصري هو قدرته على التعبير عن الهوية الوطنية المصرية بكل ما تحمله من خصوصية وتنوع. فمن خلال برامجه المختلفة، استطاع أن يقدم صورة مصر الحقيقية، بتاريخها الطويل، وثقافتها الغنية، وقيمها الأصيلة. برامجه الاجتماعية سلطت الضوء على حياة الناس، وواقِعهم، وأحلامهم، بينما حفلت برامجه الثقافية والفنية بأسماء كبار الأدباء والمفكرين والمبدعين الذين أسهموا في بناء الشخصية المصرية المعاصرة. وقد كان للتليفزيون دور كبير في دعم اللغة العربية الفصحى والحفاظ على التراث الشعبي، وتعزيز قيم الانتماء والهوية والانفتاح على الثقافة العالمية في آن واحد.
أما الجانب الترفيهي، فقد كان أحد أعمدة نجاح التليفزيون المصري، إذ قدم محتوى جذابًا ومتوازنًا استطاع أن يجمع بين البساطة والعمق، وبين المتعة والفائدة. برزت من خلاله أعمال درامية أثرت الوجدان العربي، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الثقافية، مثل مسلسلات "ليالي الحلمية"، و"رأفت الهجان"، و"الشهد والدموع"، وغيرها. كما ساهم في إطلاق نجوم الفن الذين أصبحوا رموزًا على مستوى الوطن العربي، واحتضن الإبداع المسرحي من خلال عروض مسرحية لا تزال تُعرض إلى اليوم، فضلًا عن البرامج الموسيقية والغنائية التي احتفت بالتراث الموسيقي العربي وقدّمت الأصوات الجديدة لجمهور عريض.
كما أن التليفزيون المصري لعب دورًا أساسيًا في تعزيز صلة الجاليات المصرية بالخارج بوطنهم، فقد كان صوته الذي يصل إلى المغتربين، ينقل لهم صور الحياة اليومية، والاحتفالات الوطنية، وقصص النجاح، والمواقف الصعبة التي تمر بها البلاد، مما جدد لديهم مشاعر الانتماء والارتباط بجذورهم، وخلق لديهم شعورًا دائمًا بأنهم جزء لا يتجزأ من النسيج المصري الوطني.
مع مرور الوقت، شهد التليفزيون تطورات مهمة على مستوى الشكل والمضمون، إذ انتقل من البث بالأبيض والأسود إلى البث الملون، ومن قناة واحدة إلى شبكة قنوات متنوعة، شملت المجالات الإخبارية، والرياضية، والدينية، والثقافية، والتعليمية. وواكب التقدم التكنولوجي فطوّر من أدواته وأساليبه الإنتاجية، ورفع جودة الصورة والصوت، وانفتح على المدارس الإخراجية المختلفة، مما أسهم في توسيع قاعدة جمهوره وتحسين مستوى المنافسة مع القنوات الأخرى.
رغم ما تعرض له التليفزيون المصري من بعض الإهمال في فترات سابقة، وتراجع حضوره وتأثيره، حتى كاد يُختزل في خانة الماضي ويُعامل ككَمٍّ مُهمَل لا يواكب روح العصر، إلا أن الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعادت له الحياة والاعتبار، وأعلنت بوضوح عن نية استعادة دوره الوطني والتنويري. وجاء ذلك عبر تصريح واعلان الكاتب الصحفي أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، عودة ماسبيرو إلى المشهد بقوة، ليعود صرح الإعلام الرسمي المصري إلى مكانته المستحقة. وقد تجلى هذا الإعلان في لحظة رمزية بالغة الدلالة، حين أُضيء برج القاهرة برسالة العودة، في مشهد استعاد معه المصريون شيئًا من ذاكرة العزة والنهضة، وكأن ماسبيرو ينهض من جديد حاملاً رسالته الأصيلة نحو وعي جديد ومصر أكثر إشراقًا مصر المستقبل . فهذا الصرح الكبير الذي يطل علي النيل شيريان الحياة لمصر والمصريين لا يزال يحتفظ بمكانته الخاصة في وجدان الجماهير المصرية والعربية ، وبما يملكه من تاريخ عريق، ورمزية وطنية، وقيمة ثقافية لا يمكن إغفالها. هذه التحديات تفرض عليه ضرورة التجدد والتطور، سواء على مستوى المحتوى أو الشكل، من خلال تبني آليات العصر الرقمي، والانفتاح على منصات البث الحديثة، وإعادة بناء جسور الثقة مع المشاهد عبر تقديم محتوى يعكس واقعه ويخاطب تطلعاته.
وأخيرا
تحية تقدير وامتنان لمن فكر وكان خلف انشاء التليفزيون العربي وكل من ساهموا في انطلاقه ووقفوا وراء من وضعوا حجر الأساس لمبنى ماسبيرو، ذلك الصرح الشامخ الذي لم يكن مجرد مبنى على ضفاف النيل، بل كان وما زال رمزًا وطنيًا ومنارة إشعاع فكري وثقافي وإبداعي. شكرًا لكل من خطّط، وصمّم، وبنى، ولكل من عمل داخله بإخلاص، وسهر على أن تظل شاشته نابضة بالصدق والانتماء والرسالة والمصرية . شكرًا لجيل الرواد الذين حملوا الحلم، وحوّلوه إلى واقع حيّ ينبض في وجدان المصريين والعرب. وشكرًا لكل من حافظ على هذا الكيان العريق في وجه التحديات، فنحن مؤمنين بأنه ليس مجرد مؤسسة إعلامية، بل ذاكرة وطن وروح أمة. سيظل ماسبيرو شاهدًا على العطاء، وموطنًا للوعي، وركيزة من ركائز التنوير المصري والعربي.
فاحتفال مصر بمرور خمسة وستين عامًا على انطلاق التليفزيون العربي المصري ليس مجرد مناسبة إعلامية، بل هو وقفة تأمل في مسيرة مؤسسة شكلت وجدان المصريين، وأسهمت في بناء شخصيتهم الثقافية والوطنية. هو أيضًا لحظة لاستشراف المستقبل، والإيمان بأن هذا الجهاز العتيق قادر، رغم كل التغيرات، أن يستعيد بريقه ويواصل دوره، لا كوسيلة ترفيه فقط، بل كمنبر للوعي، ومنصة للفكر، وأداة للتنمية. إننا اليوم في حاجة إلى استعادة قوة التليفزيون ودوره الريادي، باعتباره أحد الأعمدة الراسخة التي بنت الوجدان المصري، وحملت رسالة التنوير في أبهى صورها، لنظل على العهد بمصر الوعي والثقافة، مصر الريادة والهوية، مصر التي تنظر إلى المستقبل من نافذتها الإعلامية الأعرق، بروح العصر وذاكرة الوطن.
ولا بد أن نعي أن الاحتفال بالذكرى الخامسة والستين لبث التلفزيون العربي المصري هذا العام فرصة لتكريم إرثه العظيم والتفكير في دوره المستقبلي . فعودة التلفزيون المصري إلى ريادته تتطلب الاستثمار في المحتوى الإبداعي، وتطوير البرامج التي تلبي احتياجات الجمهور المعاصر في ظل التطور التكنولوجي وعالم المنصات والاعلام البديل السوشيال ميديا ، مع الحفاظ على هويته الوطنية. يجب أن يظل التلفزيون منصة تجمع بين الترفيه والتثقيف، وبين الأصالة والابتكار. إن هذا اليوم يذكرنا بأهمية التلفزيون كأداة للتنمية وبناء مصر المستقبل تحت قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليواصل دوره في إلهام الأجيال وتعزيز الهوية المصرية في عالم متغير.
مصطفي البلك
[email protected]