رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب



يتجاوز عالم في عمقه الاستراتيجي حدود النفوذ التقليدي والموارد الصلبة، ليشمل الاعتبارات الأخلاقية والروابط الإنسانية، نحن بحاجة إلى دبلوماسية قائمة على القيم، تؤسس للثقة المتبادلة، وتبني شراكات ممتدة ومستدامة، وتمثل مصر نموذجًا فريدًا لهذا النمط من الدبلوماسية في إفريقيا، حيث تتجلى سياستها الخارجية في ترسيخ الوفاء التاريخي والانتماء الحضاري المشترك، بما يعزز الروابط العميقة بين الشعوب ويدفع نحو تعاون تنموي يرتكز على الاحترام والمصير الواحد.
ويكمن في قلب هذه الرؤية بعد قيمي أصيل، يدرك أن العلاقات الدولية تبنى على أسس من التقدير المتبادل، والاحترام العميق لخصوصية الشعوب وحقها في رسم مساراتها التنموية والسيادية، وانطلاقًا من هذا الوعي، لم تنظر الدولة المصرية إلى الدول الإفريقية بوصفها مجالًا للنفوذ أو التبعية، ولكن تعاملت معها كشريك متكافئ في المسار والمصير، مؤمنة بأن نهضة القارة تتحقق من خلال التكامل، والاعتراف الصادق بحق كل شعب في أن يكون فاعلًا في صنع مستقبله.
وتكمن النقطة المحورية في هذا المشهد في أن الحضور المصري داخل إفريقيا ينطلق من رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تستند إلى تشكيل وعي مشترك بالتنمية وتوجيه المسار التكاملي القاري، فمصر، في تحركاتها الإفريقية تعمل على تأسيس فضاء من التعاون الثقافي والمعرفي، تتقاطع فيه فرص التنمية مع الذاكرة التاريخية والهوية الثقافية، وتصاغ من خلاله جسور للتكامل في مجالات التعليم، والبحث العلمي، وبناء القدرات، بما يعيد الاعتبار للذات الإفريقية ويمنحها صوتًا فاعلًا في تشكيل مستقبلها.
وشهدت القارة الإفريقية على مدى عقود انفتاحًا مصريًا مدروسًا على مستوى التعليم والتأهيل، حيث فتحت مصر أبوابها أمام طلاب من مختلف دول القارة، عبر منح دراسية طويلة الأمد تهدف لنقل المعرفة، والاستثمار في بناء كوادر إفريقية شابة تمتلك أدوات القيادة والفكر، وتسهم في بلورة هوية قارية جديدة تقوم على العقلانية، والمعرفة، والسيادة المحلية، واختارت مصر في ميدان الإعلام أن تكون منصة فاعلة لصوت إفريقيا عبر إطلاق مبادرات نوعية مثل إنشاء أستوديوهات إنتاج مشتركة، وتفعيل برامج لتبادل المحتوى التلفزيوني والثقافي، تعبر عن القارة من داخلها، وتمنح المجتمعات الإفريقية الحق في رواية حكاياتها بلسانها، وفقًا لمرجعياتها الثقافية وتطلعاتها التنموية، بعيدًا عن الصور النمطية التي رسختها الخطابات الخارجية لعقود طويلة.
ولم تتعامل الدولة المصرية مع الحضور الاقتصادي داخل القارة الإفريقية بمعايير الربح الآني فتجاوزت هذه الاعتبارات لترسخ نموذجًا من التعاون التنموي المستدام، يقوم على الشراكة الحقيقية وتمكين الاقتصاد المحلي، والنقل التكنولوجي، بما يسهم في بناء اقتصادات منتجة، قادرة على المنافسة والابتكار، ومن ثم تقدم مصر نفسها كشريك يضع في اعتباره المصالح المشتركة، والاستقلالية الاقتصادية، وتحرير القارة من التبعية التقنية التي كبلت مسارات التنمية لعقود طويلة.
وقد تجلت هذه القيم الأخلاقية في سلوك مصر الدبلوماسي، كمبادئ حاكمة لنهج يقوم على الحوار والتعددية واحترام الإرادة المحلية، فمصر تحرص، في محافلها الإقليمية والدولية، على تحفيز مسارات التوافق الإفريقي، وتعزيز استدامة المبادرات النابعة من داخل القارة، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية أو الحلول المفروضة، ويتجلى هذا النهج بوضوح في المبادرات المصرية لمكافحة التطرف والإرهاب، والتي لم صيغت كاستجابات أمنية ومكون لمشروع إنساني وتنموي متكامل، يهدف إلى دعم استقرار الدول الإفريقية الشقيقة، من خلال تمكين المؤسسات المدنية، وتحصين المجتمعات داخليًا وتوسيع فرص المشاركة للشباب عبر برامج حقيقية للتأهيل والتمكين، تتجاوز المعالجة العسكرية التقليدية إلى بناء بيئات مرنة قادرة على مقاومة العنف من جذوره الاجتماعية والفكرية.
إن الدبلوماسية الأخلاقية التي تنتهجها مصر في إفريقيا توزن بين رصانة القيم ورشد المصالح، ويعلي من شأن الالتزام الأخلاقي بوصفه مكوّنًا أصيلًا في الرؤية الاستراتيجية المصرية لبناء مستقبل مشترك داخل القارة فالدولة المصرية تمضي في هذا المسار التضامني بثبات وتواضع، واضعة نصب عينيها أن الطريق نحو قارة مستقرة، قوية، وآمنة وذات سيادة يبنى عبر شراكة حقيقية تشرك الجميع في صياغة مشروعه الحضاري أنها شراكة تقوم على منطق العطاء والوفاء لمكانة إفريقيا في الوجدان المصري، وتستند لوعيٍ تاريخي يرى في القارة امتدادًا وجوديًا وثقافيًا، وهي بذلك تنبع من شعور أصيل بالانتماء الحضاري والارتباط الوجودي بالقارة الإفريقية، التي تشكل في الوجدان المصري مهد للعلاقات التاريخية، ومجال للهوية المشتركة، وساحة واعدة لصناعة المصير الجماعي.
ونؤكد أن الدبلوماسية المصرية في إفريقيا تجسد فلسفة سياسية راقية ومتماسكة، تنبع من وعي استراتيجي راسخ بأن استقرار القارة مصلحة جيوسياسية امتداد طبيعي لاستقرار مصر وأمنها القومي، وأن نهضة إفريقيا واجب أخلاقي والتزام تاريخي يعكس صدق الانتماء وعمق الشراكة المصيرية، وتنطلق الدبلوماسية المصرية من إيمان بأن مستقبل مصر وإفريقيا يتشكلان في إطار مترابط من التعاون المتكافئ وتبادل المعرفة وتكامل الموارد وإعلاء صوت القارة في المحافل الدولية، وهكذا يتسق الدور المصري مع هويتها الحضارية القائمة على الحضور البناء والحكمة والبصيرة والقدرة على بناء الجسور فمصر تتفاعل مع عمقها الإفريقي، بوصفه مكونًا أصيلًا من رسالتها التاريخية، وامتدادًا إنسانيًا لرسالتها في صنع السلام وترسيخ التنمية، وصياغة نموذج قاري قائم على الكرامة والسيادة والشراكة العادلة.

بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات القاهرة - جامعة الأزهر

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة