رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض

في سابقة هي الأولى من نوعها وتعطي دليلا جديدا على الفساد الأخلاقي والسياسي للعالم, وترسم نهاية مأساوية لما يسمى بالقانون الدولي؛ فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرا عقوبات مباشرة على المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي؛ بسبب تقاريرها التي اتهمت فيها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة, جاءت العقوبات ضمن أمر تنفيذي يسمح بمعاقبة من يدعم جهودًا قانونية ضد الولايات المتحدة أوإسرائيل في المحافل الدولية، ومن المتوقع أن تؤدي العقوبات إلى منع ألبانيزي من دخول الولايات المتحدة، وتجميد أي أصول تمتلكها هناك, لتكون أول مقررة أممية تُدرج رسميًا على لوائح العقوبات, ولم يقتصر الأمر على ذلك, حيث تتلقى ألبانيزي تهديدات بالقتل بشكل منتظم، وتتعرض لحملات تشويه مُحكمة تقودها إسرائيل وحلفاؤها، ومع ذلك فهي تواجه كل ذلك بثبات، وتواصل مهمتها الحقوقية بشجاعة، مؤكدة أن الضغط لن يثنيها عن قول الحقيقة.

في مطلع 2024 قامت إسرائيل بمحاولة لعزل المقررة وشل قدرتها على جمع المعلومات ميدانيًا عندما أعلنت حظر دخولها إلى الأراضي المحتلة، ودعت علنًا إلى إنهاء ولايتها عقب تصريحات لفرانشيسكا ألبانيزي اعتُبرتها الحكومة الإسرائيلية غير مقبولة,لكن هذا الحظر بقي ضمن نطاق الإجراءات الدبلوماسية الاعتيادية (كعدم إصدار تأشيرة دخول) ولم يصل إلى تجريمها أومعاقبتها ماليًا.

لتكتمل هزلية المشهد يتزامن هذا مع ترشيح نتنياهو للرئيس ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام!، نتنياهو االذي يشرف حاليًا على الإبادة الجماعية للفلسطينيين في قطاع غزة، اقترح أن تُمنح أرفع جائزة عالمية في إحلال السلام للشخص الذي يُعد الممكّن الرئيسي لتلك الإبادة!, الإحصايات الموثقة تقول أنه منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن، قُتل رسميًا ما يقارب 60 ألف فلسطيني في قطاع غزة، والمؤكد أن العدد الحقيقي للضحايا أكثر لوجود مفقودين تحت الأنقاض في القطاع الذي تحول إلى أكوام من رماد, و قُتل أكثر من 800 فلسطيني خلال الأسابيع الأخيرة أثناء محاولتهم الحصول على الطعام في مواقع توزيع المساعدات التي تديرها "مؤسسة غزة الإنسانية"، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل.

أصدر مكتب فرانشيسكا ألبانيزي تقارير مفصّلة توثّق جرائم الحرب في غزة والضفة الغربية، و أدرج أحدث تقاريرها أسماء 48 شركة ومؤسسة، إضافةً إلى بنوك وشركات تأمين وعقارات وجمعيات خيرية، كلّها تنتهك القانون الدولي وتحقّق أرباحًا بمليارات الدولارات من الاحتلال والإبادة الجماعية للفلسطينيين.

من عجائب الزمان أن هذه العقوبات كثيرًا ما تستخدمها الدول ضد منتهكي حقوق الإنسان أوخصومها السياسيين؛ غير أن استخدامها ضد خبير حقوقي تابع للأمم المتحدة يتمتع بحصانات وامتيازات تمكنه من تأدية مهمته, يمثل خرقًا للأعراف الدبلوماسية والقانونية المستقرة, حيث تنص اتفاقية امتيازات وحصانات الوكالات المتخصصة لعام 1947 على تمتع خبراء المنظمات التابعة للأمم المتحدة، كمجلس حقوق الإنسان، بالحصانة من الإجراءات القانونية أثناء تأدية مهامهم الدولية.

وزير الخارجية ماركو روبيو أدان ألبانيزي واعتبرها غير صالحة لمنصبها كمقرّرة خاصة، متّهمًا إياها بأنها "تروّج لمعاداة السامية بلا خجل، وتدعم الإرهاب، وتُبدي احتقارًا صريحًا للولايات المتحدة وإسرائيل والغرب لدعمها الصريح للمحكمة الجنائية الدولية، والتي فُرضت واشنطن عليها وعلى أربعة من قضاتها عقوبات أميركية العام الماضي لإصدارهم مذكرات اعتقال بحق نتنياهو و وزير دفاعه السابق يؤاف جالانت.

في رأيي أن الهجوم على ألبانيزي ما هو إلا مجرد زاوية في صورة أكثر قتامة لعالم غابت فيه أبسط قواعد العدالة,عالم تحول تدريجيا إلى غابة, يأكل القوي فيها الضعيف وتفرض القوة إرادتها على العدل, صورة لعالم بلا قواعد، عالم يُسمح فيه لدول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية دون أي مساءلة أو رادع, كل هذا يحدث و ما تزال الولايات المتحدة تحدث العالم ليل نهار عن تعهّداتها بالديمقراطية وحرية التعبير وسيادة القانون وحقوق الإنسان ويتحدث الرئيس الأمريكي عن السلام الذي يسعى إليه, ويطمح إلى نيل جائزة نوبل مقابل سعيه هذا, ولا نعرق أي سلام هذا الذي يسعى إليه الرئيس ترامب؟!, أي سلام هذا الذي يقف فيه ترامب مع نتنياهو لسحق ضعفاء غزة, أي سلام هذا في عالم يموت فيه الناس جوعى وتمحى بلدات من الوجود في غمضة عين؟!

أخيرا: عندما يُكتب تاريخ الإبادة الجماعية في غزة، ستكون فرانشيسكا ألبانيزي المحامية والأكاديمية الإيطالية واحدة من أكثر الأصوات شجاعة ووضوحًا في عالم فقد صوابه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة