رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

في أعماق الصحراء الغربية، حيث تبدو الرمال بلا نهاية، يقبع حلم لمصر لا يزال مؤجلاً: منخفض القطارة؛ ذلك الحلم المثير للجدل والدهشة معا؛ مشروع لا يشبه سواه، يجمع بين الجغرافيا والجيولوجيا، بين الطاقة والزراعة، بين الحلم القديم والرؤية المستقبلية. حلمٌ كاد يلامس الواقع مرات، ثم عاد ليتوارى خلف الحذر، والخوف من المجازفة، وغياب القرار الحاسم. لكن إلى متى؟ متى نقرر أن نصنع التاريخ لا أن نكتفي بمطالعته؟
هل هو حلم طوباوي، أم فرصة حقيقية لا تعوض؟ لماذا لا نعيد قراءة مشروع منخفض القطارة في ضوء حاجاتنا المتجددة ومخاطرنا المتزايدة؟ هل يجوز أن نظل نعيش على شريط ضيق من وادي النيل، بينما أرض شاسعة تنتظر الحياة؟ ألم يحن الوقت لنُحسن استغلال موقعنا الجغرافي الفريد كما نادى جمال حمدان مراراً، لا أن نظل نتعامل معه كخريطة صماء لا تقول شيئًا؟ أليست الجغرافيا – كما قال – قدراً من نوع آخر؟ فلماذا لا نعيد كتابة هذا القدر بأيدينا؟
جمال حمدان كان يرى أن مصر "هبة المصريين" لا النيل وحده، وأن معركتها الكبرى هي في الخروج من الوادي الضيق إلى الأفق الواسع. ألم يكن يحذر من التركيز المرضي حول النهر، مؤكد أن قوة مصر الحقيقية كامنة في عقلها وموقعها وتراثها لا في مواردها فقط؟
أليس منخفض القطارة اختبارًا حقيقيًا لهذه الرؤية؟ أليس فرصة لتفجير طاقات الأرض والعقل معًا؟
فارق المنسوب بين البحر الأبيض المتوسط ومنخفض القطارة يمكن أن يصبح نعمة تنموية، لا مجرد تضاريس صامتة. فمن خلال قناة مائية تمتد عشرات الكيلومترات، يمكن لمياه البحر أن تنحدر بقوة طبيعية هائلة، فتدور توربينات كهرومائية تولد آلاف الميجاوات من الكهرباء النظيفة. هل نحن بحاجة لتكرار أن مشروع القطارة قد ينتج أضعاف أضعاف كهرباء السد العالي ؟ أليست هذه فرصة ذهبية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتحقيق طفرة في أمن الطاقة الوطني؟ فمتى نقرر أن نبني هذا البديل المستدام؟
منذ أيام عاد الحديث مجددا عن مشروع منخفض القطارة، إذ أفاض د رضا عبدالسلام أستاذ الاقتصاد والمالية بحقوق المنصورة ومحافظ الشرقية الأسبق، في مزايا المشروع بكلمات مفعمة بروح الأمل والتحدي ..والحق أن هذا المشروع قديم بزغت فكرته منذ نحو مائة عام في عقل استاذ ألماني بجامعة برلين يدعي هانز بنك ثم انتقلت إلى استاذ انجليزي يدعي جون بول الذي نشر دراسة عن المشروع عام 1931 ووفقا لما نشره السفير بلال المصري على موقع المركز الديمقراطي العربي (في يونيو ٢٠٢٣) فقد خرج منخفض القطارة من نطاق كونه مظهرا جغرافيا ليتحول إلي اعتباره مشروعا تنمويا لمصر ، ولكن السؤال المهم هو : ما تحديات المشروع ومخاطره..وإذا تجاوزنا هذه النقطة لننتقل للسؤال الأهم؛:ما مصدر تمويل هذا المشروع الذي أثير منذ زمن بعيد وكلما أثير عاد فجأة لينزوي في ركن بعيد منسي ؟
وفيما بعد خطوة للأمام فقد أعلن ـ وفقا للسفير بلال- في القاهرة يوم 11 أبريل 2023أن شركة EGIT Consulting ومقرها لندن(وهي شركة إدارة مالية تقدم خدمات متعلقة بالمشاريع بما في ذلك الإدارة والاستشارات والتمويل ، لا سيما للبنية التحتية الكبيرة والمشاريع التجارية الضخمة) وقعت اتفاقية لإجراء دراسة جدوى جديدة لمشروع منخفض القطارة مع شركة Elite Capital & Co , وقد طلبت الأخيرة من شركة EGIT Consulting استكمال دراسة جدوى جديدة لمنخفض القطارة ، بناءً على تجنب كل العقبات التي واجهها هذا المشروع لعقود بما في ذلك العقبات البيئية وعلى أساس استخدام المفاهيم والتكنولوجيا الأكثر تقدمًا والتي من شأنها زيادة حجم الصادرات.ووفقا للدكتور إيهاب أنور الرئيس التنفيذي للمجموعة المصرية للتجارة الدولية والاستشارات (EGIT Consulting فمن المتوقع أن توفر دراسة الجدوى الجديدة هذه تحليلاً مفصلاً للجوانب الفنية والاقتصادية والبيئية للمشروع وستحدد أيضًا أي مخاطر محتملة وتضع خطة شاملة لتنفيذ المشروع الذي دخلت شركتا الدراسة DynaFin من بلجيكا و CBF من الولايات المتحدة الأمريكي في كونسورتيوم مع EGIT Consulting لإجراء دراسة الجدوى الجديدة للمشروع، وأعلنت Elite Capital أن دراسة الجدوى الجديدة ستقدم إلى مصر على نفقتنا الخاصة دون أي شروط مسبقة أو التزامات من أي نوع على الحكومة المصرية ، وذلك دعماً لجهود مصر في تطوير المشروعات الخضراء والحفاظ على البيئة والمناخ في جميع أنحاء العالم , ومن المتوقع – وفقاً لما نشرة موقع Elite Capital & Co. Limited – “أن تكتمل دراسة الجدوى الجديدة في الأشهر المقبلة (حدث لك قبل أكثر من عام ) وستقدم تحليلاً مفصلاً للجدوى الفنية وطلب السوق والأثر البيئي للمشروع كما ستحدد الدراسة المخاطر والتحديات المحتملة وتضع خطة شاملة لتنفيذ المشروع وفي نفس الوقت من المتوقع أن يكون مشروع منخفض القطارة محولا رئيسيا للاقتصاد المصري .
ثمة تباين حول هذا المشروع ما بين مؤيد ومعارض وقد استطلعت جريدة المساء الالكترونية الصادرة الاربعاء ١٦ يوليو الجاري في تحقيق أعدته الزميلة دينا العناني آراء خبراء أيد أكثرهم هذا المشروع وتحفظ بعضهم...لكن هل يمكن تجاهل ما قاله المجلس التصديري للصناعات التعدينية من وجود ثروة من الملح الصخري الطبيعي في منخفض القطارة وواحة سيوة تزيد علي 15 مليار طن من ملح كريستال وما نشر عن د.عبد العال حسن عطية مساعد رئيس هيئة التنمية الصناعية في المشروعات التعدينية تصريحه بأن هذه الكمية من الملح جاهزة للبيع المباشر ويمكن أن توفر للدولة مايقرب من 900 مليار دولار تكفي لسداد مديونيات مصر..!!
من يعارضون هذا المشروع العملاق وبينهم وزير البيئة الأسبق د خالد فهمي البيئة الذي صراحه خلال لقائه ببرنامج «مصر في يوم» المُذاع عبر شاشة «دريم2» : أن المشروع سيتسبب في ارتفاع منسوب المياه الجوفية وزيادة عمليات «الرشح» التي قد تؤثر على البنية التحتية فضلا عن التأثير السلبي على الحيوانات والكائنات وأعرب عن رفض الوزارة أيضًا لصرف مخالفات لكن الوزير لم يفصح صراحة عن أهم سبب للرفض ألا وهو تمليح تربة الدلتا وبالتالي تخريبها , وكان من المنطقي أن تتدخل( والكلام هنا السفير المصري ) وزارتا الري و الزراع وإعلان موقفهما من مشروع ستترتب عليه – إن حدث وفُفذ – تداعيات علي نشاطي الري والزراعة في مصر.
كما وصف د.بهي الدين عيسوي أحد كبار علماء الجيولوجيا مشروع منخفض القطارة بالوهمي مستدا في رفضه إلى دراسات علمية حقيقية ومتأنية ، الأولي عام 1927 وقام بها المهندس الانجليزي (جون بول) وكان رئيسا لهيئة المساحة حيث توجه بنفسه الي المنطقة وهناك تأكد أن منخفض القطارة أقل نقطة انخفاضا في قارة إفريقيا (134 مترا تحت سطح البحر) في منطقة مساحتها 18 ألف كيلو متر (أقل قليلا من مساحة الدلتا)، وقتها فكر في الاستفادة منها بإيصال مياه البحر المتوسط إليها وإسقاطها فيه لتوليد الكهرباء ، وسجل ذلك في دراسة كبيرة ولكن بعد آخر سطر فيها وضع نقطتين وكتب.. واحسرتاه.. لأن المياه المالحة لو دخلت الي المنخفض لتسربت الي أسفل منطقة الدلتا، وهو ما سيؤدي الي تمليحها. ربما بعد أعوام قليلة عشرة أو عشرين سنة ، وهذه ليست المعضلة ولكن المأساة أنها بالتأكيد ستملح التربة فهل نفرح بإنجاز مشروع أمامنا وبعد سنوات نقضي علي الزراعة في الدلتا كلها .

نعم، هناك تحديات. الصخور الجيرية التي ستُحفر فيها القناة صلبة، والتمويل مكلف، والمخاوف البيئية قائمة. ولكن منذ متى كانت المشروعات الكبرى سهلة؟ منذ متى كان الطموح بلا ثمن؟ ألم يكن حفر قناة السويس الجديدة مغامرة مماثلة؟ ألم تكن السدود في الصين، ومشروعات تحلية المياه في الخليج، وتجارب استصلاح الصحارى في أستراليا، كلها رهانات على المستقبل؟ فلماذا نتهيب نحن؟
ثم أين هي الجامعات؟ أين مراكز البحوث؟ لماذا لا تتبنى دراسة جدوى علمية شاملة تضع كل المعطيات تحت مجهر التحليل؟ لماذا لا يقود الباحثون المصريون مشروعًا وطنيًا لتقصي الإمكانات، وتحليل المخاطر، واقتراح الحلول؟ ولماذا لا ينخرط رجال الأعمال والمستثمرون في رؤية جديدة تستثمر في المستقبل لا في الربح السريع؟ أليس من مسؤوليتهم الوطنية أن يكونوا جزءًا من مشروع يعيد رسم وجه مصر؟ ولماذا لا تكون الدولة هي التي تنسق، وتربط، وتفتح الطريق؟ ألا يكفي ما ضاع من وقت؟
ألم يقل جمال حمدان إن "مشكلة مصر الأولى هي مشكلة فكر لا مشكلة موارد"؟ ألم يكن يؤمن أن الحلول لا تنبت من الأرض بل من العقل؟ فهل نملك الآن ما يكفي من الشجاعة الفكرية لنبدأ؟ ألسنا بحاجة إلى حلم كبير يوحدنا بدل أن تفرقنا التفاصيل الصغيرة؟ أليس منخفض القطارة هو هذا الحلم؟
لقد تعبنا من ترحيل الأحلام. ومن دفن الفرص في الرمال. والتاريخ لا ينتظر. فإما أن نبدأ، أو نبقى في أماكننا نراقب الآخرين يسبقوننا. فهل نفعل؟
هل نفعل؟ ألسنا نملك الإرادة والعقل التخطيطي والجرأة التنفيذية كي نحول هذا الحلم إلى واقع؟ فلماذا نكتفي كما فعلنا مرارًا بالوقوف على حافته، نلوّح له من بعيد، ثم نعود إلى واقعنا الضيق المألوف؟ إلى متى سنظل نبحث عن المعجزة خارج حدودنا، بينما معجزتنا ممكنة تحت أقدامنا؟
منخفض القطارة ليس فقط مشروعًا تنمويًا، بل اختبار لوعي الأمة بنفسها، بمواردها، بطموحها، بإيمانها بقدرتها على تجاوز القيود التي فرضتها الطبيعة أو التي فرضناها نحن على أنفسنا. هو مشروع يتطلب، لا الأموال فقط، بل الثقة في الذات. ألم يقل جمال حمدان: "المستقبل يبدأ حين نقرر أن نصنعه لا أن ننتظره"؟ فهل نبدأ؟ أم نظل ننتظر مستقبلًا لا يأتي؟
وإذا كانت هناك أصوات تشكك، أو تحذر، أو تطالب بالمزيد من الدراسات، أفليس هذا دافعًا لا عائقًا؟ ألسنا في عصر لا يُسمح فيه باتخاذ قرارات ارتجالية؟ فليكن، لنعد إلى المختبرات والمعامل، إلى طاولات الخبراء، لننقّب ونفحص ونقارن ونختبر، لكن بشرط ألا نقتل الفكرة ببطء، وألا نستبدل الفعل بالحديث، وألا نحول الحلم إلى وثيقة إدارية مركونة في الأدراج.
ألسنا في أمسّ الحاجة إلى مشروع وطني جامع، يحرك خيال الناس، ويحفّز طاقاتهم، ويعزز منسوب الثقة بين المواطن والدولة؟ ألسنا بحاجة إلى فكرة جديدة تليق بمصر الجديدة التي نحلم بها؟ مشروع لا يكون مجرد استثمار في الأرض، بل في الوجدان، في الثقة، في الانتماء؟ وإذا لم يكن منخفض القطارة، فماذا؟ وإذا لم يكن الآن، فمتى؟ وإذا لم نكن نحن، فمن إذن؟
إن الأمة التي تسكن التاريخ ولا تصنعه محكوم عليها بالتحلل البطيء. وإن أمة لا تجرؤ على تغيير جغرافيتها محكوم عليها بالبقاء في حدودها القديمة. فإما أن نعيد رسم الخريطة بأدوات العصر، وإما أن نظل نعيد قراءة نفس السطور في كتب الجغرافيا، ونبكي الفرص التي لم نغتنمها.
منخفض القطارة دعوة لاختبار الذات. امتحان للعقل المصري في قدرته على الحلم والعمل معًا. فهل نرتقي إلى هذا التحدي؟ هل نخرج من النفق الطويل إلى سعة الأفق؟ أم نبقى نحلم في الظلام؟ نحن لا نفتقر إلى العبقرية ولا إلى الإرادة، لكننا بحاجة إلى نقطة بدء.. إلى قرار. ومتى اتخذناه، سيكون الطريق مفتوحًا، والتاريخ شاهدًا.
فهل نبدأ؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة