رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معًا للمستقبل

بعد الذي رأيناه أخيرًا في فيديو تناقلته السوشيال ميديا على نطاق واسع لشرذمة من الأمهات وهن يطاردن بشتائم نابية، معلمة تؤدي دورها في منع الغش في إحدى لجان امتحانات الثانوية، وكأنها ارتكبت جريمة في حق هؤلاء النسوة اللاتي انفلت سلوكهن بصورة محزنة تدعونا للتساؤل: هل بات الغش ظاهرة مألوفة لا يأباها ضمير المجتمع المصري، وإذا كان الحال هكذا فلابد أن نسأل ولابد أن يجيبنا علماء النفس والاجتماع والأخلاق: ماذا حدث لضمير الناس..لماذا يغيب عن فطنتهم قول رسولنا الكريم- هو بالمناسبة ما أقرته كل الأديان-: "من غشَّنا فليس منّا"..؟!
لم يعد الغش في عالم اليوم مجرد سلوك شاذ أو خروج عارض عن جادة الصواب، بل تحوّل في كثير من المجتمعات إلى ما يشبه العادة، بل الثقافة المستقرة في الذهن والوجدان، يمارسها البعض بلا خجل، ويبررها كثيرون تحت ذرائع الحاجة أو المساواة أو حتى "النجاة في الزحام". تسلّل الغش إلى القلوب كما يتسلل السُّم إلى الماء، حتى بات حاضراً في التعليم والاقتصاد والسياسة، وفي الشهادة والصفقة والخطاب. الأخطر من الغش نفسه أن يصبح مبرَّرًا، وأن يُكافأ المحتال بدل أن يُعاقَب، وأن يُنظر إلى الملتزم بالقواعد على أنه ساذج أو بليد. تلك هي اللحظة التي تتبدّل فيها القيم، ويصبح الصدق ترفاً، والنزاهة ضعفاً، والمكر "ذكاءً اجتماعياً".
ورغم كل الذي نراه من تكالب على الغش فإني موقنٌ أن في جوف كل إنسان نورًا لا يُطفأ، وبذرة خير لا تموت، مهما علا فوقها غبار العادات السيئة أو سُحب الخداع. الفطرة التي فطر الله الناس عليها تأنف الكذب، وتشمئز من الزيف، وتنزع إلى الصدق كما تنزع العين إلى النور. نعم، قد تضعف هذه الفطرة، وقد تُخذَل بالصمت والتواطؤ، لكنها لا تُقتل. وما نحتاجه اليوم هو إحياء هذه الفطرة بوسائل تتجاوز الشعارات، وتنفذ إلى عمق التكوين الإنساني: تربية تُغرس فيها قيم الأمانة منذ الطفولة لا ككلمات محفوظة، بل كأفعال تُرى وتُعاش؛ وقدوة في البيت والإعلام والمدرسة تنطق بالسلوك قبل الكلام؛ ونظام عادل يُجفف منابع الغش، ويُحاسب المفسد، ولا يترك الناجح النزيه ضحية للخذلان والإهمال.

كلنا بلا استثناء مدعوون لاستعادة كرامة الإنسان لا بتكديس الإنجازات المادية ولا بترويج صور النجاح المصنوع، بل بإعادة بناء الضمير، وإيقاظ الرقيب الداخلي، وتربية جيل يرى في الصدق قوة وفي الأمانة مجداً، لا عبئاً يُتخلّص منه. وحدها الأمم التي تُربّي أبناءها على الحقيقة تصنع حاضرها بيد، وتكتب مستقبلها بيد أخرى. أما تلك التي تستسلم للغش، فتمشي نحو الهاوية، وإن ظنّت أنها تحصد انتصارات مؤقتة. فالغش لا يبني حضارة، والزيف لا يُورث كرامة، والضمير وحده هو الطريق إلى الإنسان.
لقد صار الغش بكل أسف لغة مألوفة، تُمارس بلا وجل، وتُدافع عنها الألسنة، وتُبررها العقول، ومن ثم يصبح الحديث عن القيم كأنك تنفخ في رماد. كيف نُفسر أن تخرج إحدى المراقبات في امتحانات الثانوية العامة – وهي سيدة مصرية شريفة – تؤدي عملها بأمانة، فتنال جزاءها سبابًا وشتائم من أولياء أمور، فقط لأنها منعت أبناءهم من الغش؟ أي درك من الانحدار بلغناه حين يُهاجم الشرف، ويُصفق للباطل، وتتحول المدرسة إلى ساحة للتزوير بدلاً من أن تكون مصنعًا للضمير؟
الغش الذي تسلل إلى قاعات الامتحان، هو ذاته الذي يتجول بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يحتال البعض على المرضى والضعفاء، يبيعون لهم الوهم في قوارير ملونة، يزعمون علاج السرطان والسكر والفشل الكلوي، ولا رقيب عليهم ولا وازع يردعهم. الناس ضحايا، لكن الأخطر من ذلك أن المجتمع كله ضحية حين يغض الطرف عن هذه الكوارث، أو يصمت وكأن الأمر لا يعنيه، أو يبرره بزعم "لقمة العيش" أو أن "الجميع يفعل".
وأخوف ما أخافه أن تتبدد القيم تحت وطأة ما نرى من شيوع الغش في حياتنا، وتُستباح المحرمات، ليصبح الغش ليس فعلًا طارئًا بل ثقافة، ليس انحرافًا فرديًّا بل مسارًا عامًا. وهنا مكمن الخطر. فالغش لا يهدم ورقة امتحان ولا يفسد دواءً فقط، بل يفتك بجوهر الإنسان، يقتل ضميره، ويطفئ النور في قلبه، ويدفعه إلى تبرير كل شر ومروق. ومن يعتد على الحقيقة اليوم، لن يتورع عن بيع الوطن غدًا لمن يدفع وقد رأينا ذلك عيانًا بيانا فيما تداولته الشاشات من أخبار الجواسيس والخيانة وكيف سّولت لهؤلاء أنفسهم أن يؤذوا بلدهم وأن يكون معول هدم تضرب أركان الاستقرار وتبدد مقومات الوجود والبقاء، فهل بعد خيانة الأوطان ذنب، وماذا تنتظر ممن لا يتورع عن خيانة بلده، أو خيانة أمانة العلم، هل يتورع عن خيانة وظيفة أو مهنة أو قَسَمَ..؟!
إن الإسلام، وغيره من الديانات، لم يكن يومًا حياديًّا تجاه الغش، بل حسم موقفه منه بحزم وقوة، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من غش فليس منا"، حديث قاطع لا يحتمل المجاملة، يخرج الغاش من دائرة الأمة الأخلاقية، ويضعه في موضع الخيانة لا في موضع الخلق. وفي موضع آخر، قال صلى الله عليه وسلم: "من غش المسلمين فليس منهم". وهل بعد هذا الطرد المعنوي من انتماء القيم مزيد من الوعيد؟ بل إن القرآن الكريم لعن المطففين، الذين يغشون في الميزان، فكيف بمن يغش في مستقبل أمة، وفي صحة إنسان، وفي ضمير وطن؟ قال تعالى: "ويل للمطففين"، وويلٌ ليس وعيدًا فحسب، بل نذير دمارٍ لا ينجو منه مجتمع يُقرّ الباطل أو يسكت عنه.
ليس أخطر على المجتمعات من التطبيع مع الغش. إنه سرطان خفي، يبدأ صغيرًا في النفوس، ثم ينتشر في المؤسسات، حتى يهدم البناء من داخله. يغيب العدل، وتُمحى الكفاءة، وتُسرق الفرص، ويفقد الناس ثقتهم في كل شيء. الصادق يُتهم بالغباء، والأمين يُضرب ويُهان، والغشاش يُكرّم أو يُسوّق كقدوة ناجحة. ومتى اختلت المعايير، صار الباطل وجهًا من وجوه النجاح، وانقلبت الموازين.
لن تقوم لهذا المجتمع ولا لهذه الأمة قائمة إلا إذا استعاد ضميره الحي، وواجه نفسه بالحقيقة المُرّة: لا نهوض مع الغش، ولا نجاة مع الخداع، ولا كرامة في ظل التواطؤ. لا بد من ثورة على هذه الثقافة المسمومة التي تعتاش على ضعف الوعي وغياب الوازع. لا بد من أن نُعلّم أبناءنا أن النجاح بالباطل هزيمة، وأن الرزق بالحيلة شبهة، وأن الغش ليس شطارة بل دناءة، وأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك"، هو دستور أخلاقي لا يُلغى ولا يُؤجل.
الغش ليس مشكلة تعليم أو دواء فحسب، إنه أزمة ضمير، وامتحان لقيمنا قبل أن يكون امتحانًا في قاعة أو سوق. وإن لم ننتفض لهذه الجريمة في وقتها، فسندفع جميعًا ثمن صمتنا، لا في ورقة إجابة فقط، بل في مستقبل وطن بأكمله..فهل نحن منتبهون لخطورة ما يجري..وهل يمكن أن نتبنى مقولة الشاعر العظيم الذي يقول:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت ..فإن همو ذهب أخلاقهم ذهبوا..
يا سادة ..الأخلاق ليست مجرد شعارات يتغنى بها الحالمون بالمدينة الفاضلة ولكنها ضمانة للأمان والاستقرار والنجاة في الدنيا والآخرة.
الغش يا سادة أكبر خطر على المجتمع..!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة