لا بد أن نستفيد من تجارب دول سبقتنا في التعامل مع مخاطر الإنترنت والألعاب، وفي مقدمتها الصين، التي وصفت منذ سنوات ألعاب الفيديو والإدمان الرقمي بـ"الأفيون الإلكتروني"، وأطلقت سلسلة من الإجراءات الحازمة للحد من انتشاره. فقد فرضت الحكومة الصينية قيودًا صارمة على وقت لعب المراهقين، بحيث يُسمح لهم فقط بثلاث ساعات أسبوعيًا على الألعاب الإلكترونية، وفي أوقات محددة فقط. كما تم إلزام شركات الألعاب بالتحقق من هوية المستخدمين، وربط بياناتهم بسجلات الدولة لضمان التطبيق الفعلي، وتم حظر ألعاب المراهنات أو الألعاب التي تشجع على السلوكيات القمارية بشكل قاطع.
هذه الإجراءات لم تكن فقط تقنية أو قانونية، بل رافقتها حملات توعية إعلامية وتربوية ضخمة في المدارس والجامعات، هدفت لغرس الوعي الرقمي، والتفرقة بين الترفيه البنّاء والمحتوى الضار. وقد أثمرت هذه الجهود عن تراجع نسب الإدمان الرقمي بين المراهقين، وخلقت بيئة رقمية أكثر انضباطًا تحمي القيم الأسرية والاجتماعية.
إن نجاح هذه الألعاب في اصطياد ضحاياها يعود إلى قدرتها على التسلل بهدوء، وتقديم نفسها كوسيلة بريئة للترفيه، مستخدمة تقنيات نفسية متقدمة، وألوانًا ومؤثرات صوتية جذابة، ورسائل تحفيزية توهم المستخدم بأنه "قريب جدًا من الربح". والواقع أن الربح في هذه المنصات وهمٌ مؤقت، يتبخر سريعًا، ويترك وراءه خسائر قد لا تُعوّض.
هنا تبرز الحاجة الملحة لتحرك جماعي وواعٍ. لا يكفي أن نحذر أفراد أسرنا فحسب، بل لا بد من إطلاق حملات توعية شاملة، تُظهر المخاطر الكامنة خلف هذه "الألعاب"، وتقدّم بدائل حقيقية للتسلية والعمل وتطوير الذات. لا بد من غرس الثقافة الرقمية لدى الشباب، وتعليمهم كيف يفرّقون بين الترفيه الآمن والفخ المموه، وكيف يتعاملون بوعي مع كل ما يعرض عليهم من تطبيقات أو منصات على هواتفهم.
وفي هذا السياق، نوجّه نداءً عاجلًا إلى الجهات الحكومية، والمؤسسات التربوية والإعلامية، مثل وزارات التعليم والاتصالات، والمجالس القومية المتخصصة. نطالبكم بتشديد الرقابة على المنصات الإلكترونية التي تُمارس نشاط المقامرة تحت ستار الترفيه، وحظر الوصول إليها داخل البلاد، مع إطلاق حملات توعية وطنية تستهدف فئة الشباب والأسر، وتقديم الدعم النفسي لمن وقع في فخ هذه الظواهر.
علينا أن ندق ناقوس الخطر من "الإدمان الرقمي" الذي أصبح يهدد مستقبل أبنائنا، ويُربك الأسر، ويغذي اقتصادًا افتراضيًا قائمًا على خسارة الضعفاء وسقوط الأبرياء. على المؤسسات أن تتحرك، وعلى الأسر أن تتنبه، وعلى الإعلام أن يسلط الضوء دون مواربة، لأننا أمام عدو جديد لا يأتي من الخارج، بل يُولد كل يوم في أجهزتنا المحمولة.
ولا شك أنه من الضروري الآن إدماج التثقيف الرقمي في المناهج الدراسية، وتوفير مساحات آمنة للترفيه والتعليم، وتشجيع الإعلام على تناول هذه القضية بمسؤولية وعمق، لحماية فئات المجتمع من الانزلاق نحو هاوية يصعب الخروج منها. إن أمن المجتمع يبدأ من وعي أفراده، ولا بد أن تتكاتف الجهود لحماية شبابنا وأطفالنا من هذا "الأفيون الرقمي" الذي يقتحم بيوتنا تحت عنوان التسلية، بينما يحمل في طياته تهديدًا حقيقيًا لاستقرار الأسر وضياع المستقبل ، فبين شاشات اللهو وقيم الأسرة، لا بد أن نختار أي مستقبل نريده لأبنائنا ؟!!
*المستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
خبير بالشئون الصينية
[email protected]