رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لم أكن أتصور أن عبارة قصيرة سمعـتُها داخل قاعة ندوة في بكين، يمكن أن تظل ترنّ في أذني لسنوات، كأنها نبوءة تحققت لاحقًا في مجتمعاتنا، وربما في بيوتنا دون أن ندري."
خلال فترة عملي مستشارًا إعلاميًا بسفارة مصر ببكين، جاءتني دعوة لحضور ندوة علمية نظمها "المركز الصيني لأبحاث الشباب والأطفال" (China Youth & Children Research Center - CYCRC)، وهو مركز بحثي رصين يتبع وزارة التعليم واتحاد شباب الصين، ويقع في قلب العاصمة. يناقش قضايا الإنترنت والألعاب وسلوكيات المراهقين باهتمام بالغ، ويُجري أبحاثًا ميدانية منتظمة حول سلوكيات الإنترنت، والألعاب، والتكنولوجيا بين الأطفال والمراهقين.
يومها، وسط حديث الخبراء عن التحولات الرقمية، قال أحد المتخصصين بنبرة واثقة: "نحن لا نواجه مجرد إدمان... بل نوعًا جديدًا من الأفيون، يمر من الشاشات إلى العقول". استوقفني وصفه الذي استخدمه حول ظاهرة الإدمان الإلكتروني لاني لم أكن قد سمعت هذا الوصف من قبل، لكنه ظل عالقًا في ذهني كناقوس خطر، يعكس بدقة ما كان يحدث بصمت في مجتمعات كثيرة، بما فيها مجتمعاتنا.
حتى وجدت نفسي قبل أيام أستعيدها كاملة، وأنا أستمع إلى صديق مقرب، يتحدث بألم عن
ابنته المراهقة التي كانت مثالًا في النشاط والتفوق، ثم بدأت تنسحب تدريجيًا من محيطها، تغلق بابها لساعات طويلة، لا تفارق هاتفها إلا للنوم، وانقلبت حالتها النفسية إلى توتر دائم وانعزال-تذكرت خلال الحديث مع صديقي تلك الندوة المتخصصة التي شاركت فيها قبل أكثر من عشر سنوات- وحكي لي صديقي أنه لم يكن يدرك في البداية ما الذي يحدث، حتى اكتشف الحقيقة الصادمة: ابنته أصبحت ضحية لـ"الأفيون الرقمي"، ذلك المخدر العصري الجديد الذي يتخفى في هيئة لعبة إلكترونية، لكنه في الحقيقة سلب إرادتها، وملأ رأسها بالأوهام، واستنزف أموال العائلة في صمت.
ونحن نعيش عصرنا الحالي وفي زحام العصر الرقمي، نجد المنصات الترفيهية تتسابق لاقتناص أنظار الشباب، وملء أوقات فراغهم، لكن خلف كثير من هذه الشاشات يختبئ خطر جديد لا يفرّق بين مراهق صغير، أو شاب جامعي، أو عامل بسيط، أو حتى مثقف واعٍ. إنه خطر "المراهنات الرقمية"، التي تتخفى تحت مسميات الألعاب، وتتسلل بهدوء إلى الهواتف المحمولة، وتخترق البيوت دون استئذان.
وما يُعرض على أنه تسلية عابرة، يتحوّل في واقع الأمر إلى فخ نفسي ومالي محكم، يوقع في شباكه المراهقين الباحثين عن التشويق، والشباب الطامحين للربح السريع، والعمال ممن لا يمتلكون دراية كافية بخفايا هذا العالم الرقمي، بل وحتى بعض المتعلمين والمثقفين الذين يغريهم وهم السيطرة والتحكم. تبدأ القصة بواجهة جذابة وإعلانات ضخمة على مواقع التواصل الاجتماعي، تُغريك بتجربة لعبة بسيطة يمكنك من خلالها تحقيق ربح سريع، فتقوم بإنشاء حساب، وتودع مبلغًا صغيرًا، وتضع أول رهان. ومع كل محاولة، تتعزز فكرة "قرب الفوز"، لتجد نفسك وقد أصبحت جزءًا من حلقة لا تنتهي.
هذا "الأفيون الرقمي" لا يتطلب مهارة حقيقية، بل يعتمد على الحظ وحده، ويستغل اندفاع الفرد ورغبته في التعويض بعد كل خسارة، حتى يتورط تمامًا. الخسائر لا تتوقف عند المال فقط، بل تمتد إلى النفس والعلاقات والمستقبل. كثير من الشباب خسروا مدخراتهم، بل استدان بعضهم، ودخل آخرون في دوامة القلق والاكتئاب والشعور بالذنب. هناك من تفككت أسرهم، ومن تراجع مستواهم الدراسي أو خسروا وظائفهم بسبب الإدمان على هذه الألعاب، التي تُغري وتُدمّر بصمت.
الأخطر أن كثيرًا من هذه المنصات تعمل خارج الإطار القانوني، وبعضها محظور أو يحمل شبهات نصب واحتيال. يشتكي كثيرون من تجميد حساباتهم، أو رفض سحب الأرباح، أو سرقة بياناتهم الشخصية والمالية. ورغم ذلك، يزداد عدد المستخدمين بسبب ضعف التوعية، وسهولة الوصول إلى هذه المنصات من أي هاتف محمول.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة