رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الشرق الأوسط هو المكان الذي تجتمع فيه أربعة أشياء مثيرة للجدل والحيرة، أولها "إرهاب" تحول الي سلطة حاكمة برغبة إقليمية ودولية.

ثانيها أسلحة نووية وإمكانية الانتشار، مع دول احتلال واخري لها اجندات مثيرة للجدل، وتسعي لامتلاك هذ السلاح غير القابل للاستخدام.

ثالثها، فائض طاقة يمثل من ٣٠ الي ٤٠ ٪ من احتياطي العالم.

أخيرا دول غنية، تحتاج الي قوي عظمي لضمان بقائها واستقرارها.

هذه التوليفة المتناقضة هي التي تخلق المبررات للتدخل وإعادة هيكلة المنطقة بمفاهيم جديدة فرضتها نتائج وتداعيات الاحداث بداية من ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ وصولا الي حرب ال١٢ يوما بين إسرائيل وإيران.

علي كل حال فان العنوان الرئيسي للمرحلة التي يعيشها الشرق الاوسط، هو السعي لتدشين إسرائيل رسميا كشرطي للمنطقة.

لكن هذه المرة ليس بشروط رؤية أمريكية كالتي طبقتها مع شاه إيران في اعقاب فشل ثورة محمد مصدق، في خمسينيات القرن الماضي، وانما بشروط إسرائيلية خالصة، مع مباركة أمريكية.

هذا التدشين بدأ قبل أسابيع، عندما أعلن، الأدميرال جيمس كيلبي القائم بأعمال رئيس العمليات البحرية الامريكية المشرعين في الكونجرس أن الاسطول الأمريكي في البحر العربي استخدم صواريخ بأكثر من مليار دولار في هجماته على المتمردين الحوثيين، فيما خسرت حاملة الطائرات "هاري إس ترومان" ثلاث طائرات من طراز سوبر هورنت، بما في ذلك واحدة بنيران صديقة، كل هذا في اقل من ٣ أشهر، وهذا الامر - والكلام هنا لكيلبي- يمثل استنزافا خطيرا للسلاح الأمريكي.

يذكر ان تأجيل توريد واشنطن لأسلحة وذخائر كان من المفترض ان يتم ارسالها الي أوكرانيا جاء بسبب تراجع مخزون الذخائر في مخازن الجيش الأمريكي منذ حدوث ازمة ٧ أكتوبر ٣٠٢٣…

والرساله التي أراد الجنرال الأمريكي ايصالها الي صناع القرار ان الدور العسكري والأمني في الخليج والشرق الأوسط مهم لكن تكاليفه باهظة ويحتاج الي إعادة نظر وربما الي آخرين يقومون بهذا الدور "باعتبار ان اهل المنطقة أدرى بشعابها".

ورويدا، رويدا بدأت الصورة تتضح معالمها، وذكرت قناة "فوكس نيوز" أنه في أعقاب الهجمات الامريكية الأخيرة على إيران، اقترح أعضاء الكونجرس قانونا جديدا من شأنه أن يسمح للرئيس دونالد ترامب بنقل أسلحة استراتيجية أمريكية إلى إسرائيل، بما في ذلك طائرات B-2 الشبح والقنابل GUB 57 التي لها قدرة علي اختراق التحصينات بعمق 60 مترا تحت سطح الأرض، وذلك لضمان امن إسرائيل في الدفاع عن نفسها بغض النظر عن طبيعة وسياسة الحزب الحاكم في البيت الأبيض ورفع الحرج عنه، في حال اصرت إيران علي استمرار تطوير برنامجها النووي العسكري.

وبالفعل تم تقديم مشروع القانون، المعروف باسم قانون بنكر باستر، من قبل عضو الكونجرس الديمقراطي جوش جوتهايمر (نيو جيرسي) والجمهوري مايك لولر (نيويورك). ووفقا لصياغة الاقتراح، سيتم منح الرئيس سلطة "اتخاذ إجراءات من شأنها أن تضمن أن إسرائيل مستعدة لأي سيناريو إذا حاولت إيران تطوير أسلحة نووية"… وبطبيعة الحال فأن امتلاك إسرائيل لتلك الطائرة الشبحية الاستراتيجية سيخلق طفرة غير مسبوقة في موازين القوي في الشرق الأوسط، وستحقق تل ابيب من خلالها ما كانت تسعي اليه دوما من تطبيق مبدأ " السماوات المفتوحة" من لبنان الي ايران مرورا بسوريا والعراق، بما يسمح لها منفردة بالتحرك والسيطرة والسيادة الجوية علي سماوات تلك الدول لاحكام قبضتها علي عليهم وضمان ليس فقط عدم تسلل الدعم المادي والعسكري الي ما تبقي من حزب الله في لبنان وحماس في غزة والقطاع، بل أيضا امتلاكها لفيتو عسكري حاسم علي أي قوي إقليمية قد تسعي مستقبلا لتحقيق توازن استراتيجي معها.

وللحق فان الرئيس ترامب، يتشارك مع بنيامين نتنياهو هذا التصور، حيث شهد هذا الأسبوع القمة الثالثة بين الرجلين في ستة أشهر فقط وهي المرة الاولي التي تحدث في تاريخ إسرائيل منذ نشأتها. وبالنسبة لترامب، فقد أظهر التعاون مع إسرائيل اثناء ضرب إيران قيمتها الاستراتيجية للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وخارجه، حتى ان معظم دول العالم، بما في ذلك الصين أو روسيا، لم تعرب عن أسفها للضربات التي تعرضت لها طهران. وعزز ذلك من صيغة الردع الأمريكي في المستقبل المنظور.

القمة الثالثة وضعت رؤية لشكل الشرق الأوسط الذي يريده كلا من نتناياهو وترامب تتلخص في: احتواء إيران والحد من برنامجها النووي من خلال اتفاق ملزم اتفاق يشمل أيضا الحد من نفوذها الإقليمي. تخفيف التوترات وتحقيق الاستقرار في دول المنطقة - ضمان حكومة موالية للغرب (أو على الأقل معادية لإيران) في سوريا والتأكد من أنها لن تصبح مركزا لعدم الاستقرار مرة أخرى.

تعزيز التكامل الإقليمي، سواء من خلال الممرات التجارية، أو ربط أنظمة الدفاع الجوي فيها، مع توسيع اتفاق الإبراهيمي. تقليص نفوذ الصين من خلال تعزيز التقارب مع دول الخليج خاصة في المجال العسكري- هذا الأسبوع بدأت منظومات "ثاد" الصاروخية في الوصول الي السعودية.

أخيرا بقاء إسرائيل متفوقة عسكريا وتكنولوجيا بما يسمح لها بضمان امنها بصورة مستقلة ومتوازنة مع المصالح الامريكية.

لتحقيق تلك الرؤية ولضمان عدم عرقلتها، هناك حاجة إلى بنية أمنية جديدة. تلعب فيه الولايات المتحدة دورا داعما ويتم قبلها حل مشاكل المنطقة بما فيها قطاع غزة.

بالنسبة لإسرائيل، التحدي الرئيسي ليس التنافس على الاستثمارات أو المقارنة مع الاستقبال الفخم الذي تلقاه ترامب في الخليج. وانما التحدي يكمن في فهم دورها في النظام الجديد والتكيف مع التغيرات الإقليمية.

فتل ابيب، كانت ولا تزال رصيدا استراتيجيا للولايات المتحدة بفضل قدرتها العسكرية، التي يدعمها نظام استخباراتي تكنولوجي امريكي وغربي هائل. على النقيض من إسرائيل، تعاني دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، من ضعف عسكري لن يختفي حتى مع صفقات الأسلحة الجديدة.

بالتالي ستكون تل ابيب، هي رأس الحربة في الدفاع عن مصالح واشنطن في الخليج لحين استقرار الأوضاع وتحديد دور طهران بعد غلق ملفها النووي.

وتحقيقا لهذه الغاية، يجب على إسرائيل أن تعمل في ثلاث اتجاهات متوازية: أولا، يجب أن تواصل تعزيز قدراتها المستقلة، وهذا بالضبط ما تقوم به أمريكا من خلال العمل على منحها القاذفات الشبحية B2 ، مما يمنحها مكانة وتفوقا عسكريا استثنائيا في المنطقة.

ثانيا، يجب عليها تطوير نهج أكثر براغماتية في علاقاتها مع تركيا، من أجل منع التصعيد غير الضروري على الساحة السورية.

وثالثا، يجب أن تندمج في التكامل الاقتصادي الإقليمي الناشئ، مع الاستفادة من مزاياها التكنولوجية. بالطبع ليست كل خطط واشنطن واهداف إسرائيل قدرا يجب حدوثه ويستحيل تجاوزه، لكنه يظل مرهونا بقدرة الطرف الاخر على الرفض ومقاومة هذا التصور الذي يحاك ضد المنطقة ومقتدراتها، وقبل ان تصبح إسرائيل هي الراعي السيد الجديد للمنطقة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة