رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

معاً للمستقبل

كم خسرت مصر من جراء الإهمال..؟!

هذا السؤال طرحته قبل سنوات في هذا المكان ورجوت لو أن جهة علمية بحثية أجرت إحصاء دقيقًا لما خسرته مصر جراء الإهمال البشري الذي فاق كل تصور.. لنرى كيف كان الإهمال ولا يزال عدواناً غاشماً على الدولة والمواطن والمستقبل..ولندرك كيف أن الإهمال والفساد فاقا في خطورتهما وتبعاتهما ضراوة الإرهاب ..وثلاثتهم عدو للتقدم والتنمية اللذين يصبح الحديث عنهما في ظل تعافي ثالوث الخطر وإمساكه بتلابيب المصريين عبثاً لا طائل منه.

ما حدث أخيرًا في محافظة المنوفية من كارثة إنسانية فقدت بسببها قرية كفر السنابسة تسع عشرة زهرة من بناتها في حادث مروري مأساوي على الطريق الإقليمي خرجن صباحًا يحملن آمالًا بسيطة ويسعين خلف لقمة العيش لتتحول رحلتهن إلى مأساة لا توصف يعيد طرح السؤال من جديد: متى يتوقف الإهمال..؟!

الحادث لم يكن مجرد تصادم مركبتين بل كشف عن عمق التراخي وغياب الضمير سواء من تسبب فيه برعونته أو من غضّ الطرف عن حالة الطريق الذي تحول إلى مصيدة موت منذ سنوات..!!

تكشفت الحقائق سريعًا وتبين أن سائق الشاحنة المتسببة في الحادث كان تحت تأثير المخدرات ولم يكن لديه رخصة، وهو ما يدق ناقوس الخطر حول حالة كثير من سائقي النقل الثقيل الذين يُفترض أنهم مسؤولون عن أرواح العشرات على الطرق اليومية وازداد المشهد قتامة حين وُصف الطريق الإقليمي بأنه طريق الموت بالنظر إلى تكرار الحوادث عليه وعدم وجود إشارات مرورية كافية أو فواصل آمنة مما يضاعف من احتمالية وقوع الكوارث كلما غابت صيانته أو جرى تجاهل ضحاياه.

المسئولية المباشرة تقع على عاتق القيادة المتهورة حتمًا لكنها لا تقف عند حدوها الضيقة بل تتخطاها إلى جهات تتحمل ضمنيًّا جانبًا كبيرًا من الإهمال في تطوير الطريق وتأمينه بينما تغيب الرقابة الفعلية على سائقين كثيرين ليسوا برءاء من تعاطي المخدرات، كما تغيب بالدرجة ذاتها الرقابة على عمالة الأطفال وخصوصًا العاملات الموسميات اللاتي ظهر فجأة أنهن بلا بيئة عمل آمنة تحقق لهن شروط التوظيف أو وسائل التنقل الآمنة ما يعكس هشاشة منظومة الحماية الاجتماعية بالكامل.

والحق أن مصر شهدت خلال العقد الأخير طفرة ملحوظة في تطوير شبكة الطرق، انعكست على ترتيبها العالمي في مؤشر جودة الطرق، حيث قفزت من المركز 118 عام 2014 إلى المركز 18 عالميًا في عام 2024، متجاوزة بذلك دولًا كبرى مثل الولايات المتحدة وأستراليا. هذا التحسن جاء نتيجة تنفيذ المشروع القومي للطرق، الذي شمل إنشاء 7000 كيلو متر من الطرق الجديدة، وتطوير 8400 كيلو متر من الطرق القائمة، بتكلفة إجمالية تجاوزت 265 مليار جنيه.

لكن ورغم هذا التقدم، فلا تزال هناك فجوة نوعية بين البنية التحتية للطرق في مصر ونظيراتها في الدول المتقدمة. ففي حين تركز مصر على التوسع الكمي، تعتمد الدول المتقدمة مثل هولندا وسويسرا وسنغافورة على أنظمة ذكية لإدارة المرور، ومراقبة الجودة، وتكامل النقل متعدد الوسائط، إلى جانب صيانة دورية صارمة تعتمد على بيانات آنية وتحليل سلوك السائقين، وإنشاء الطرق طبقا للمواصفات والأكواد العالمية التي تحقق السلامة والأمان .

الدول المتقدمة تولي أهمية قصوى لسلامة المشاة وراكبي الدراجات، وتدمج مفاهيم الاستدامة البيئية في تصميم الطرق، مثل استخدام الأسفلت المعاد تدويره، وتقنيات تقليل الانبعاثات. أما في مصر، فرغم انخفاض وفيات الحوادث بنسبة 28.6% خلال السنوات الأخيرة، فلا تزال بعض الطرق تعاني من ضعف الإنارة، وغياب الرقابة على السرعة، وتكرار الحوادث في بعض المحاور مثل الطريق الإقليمي.

الدول المتقدمة تعتمد على مؤشرات أداء دقيقة لتقييم الطرق، مثل زمن الاستجابة للحوادث، ومستوى الخدمة، ونسبة الحوادث لكل مليون كيلومتر، بينما لا تزال هذه المؤشرات في مصر في طور التأسيس أو غير معلنة بشكل دوري..وهو ما نرجو التركيز عليه خلال الفترة المقبلة لنجنى ثمار الطفرة الكبيرة في مشروعات الطرق والمواصلات التي تحققت في السنوات العشر الأخيرة.

إن ما حدث لبنات كفر السنابسة يجب ألا يمر كحادث عابر بل يستدعي وقفة وطنية جادة تتجسد في وضع قواعد صارمة لفحص سائقي النقل دورياً وتغليظ عقوبات من يثبت تعاطيه للمخدرات إلى جانب إعادة تأهيل الطرق الإقليمية وتزويدها بالكاميرات والحواجز الآمنة والتوسع في حظر سير الشاحنات في أوقات الذروة والأهم من ذلك إنشاء مظلة تأمينية شاملة للعاملات في القطاع غير الرسمي وتوفير وسائل نقل تخضع للرقابة

هذه الفاجعة ليست حادث طريق بل صرخة ألم في وجه الإهمال ورسالة موجهة إلى كل مسؤول ما زال يظن أن الأرواح تُقاس بالأرقام أو أن الصمت كافٍ لامتصاص الحزن فمن خرجت صباحًا تحمل أحلامها لن تعود وعلى الدولة أن ترد الاعتبار بقرارات لا تقبل التأجيل لأن حياة البشر ليست هامشًا في جداول الإنفاق ولا رقمًا في ملفات المرور.

ورغم مآخذ البعض على أداء بعض الحكومات المتعاقبة منذ عقود فإنه لا أحد ينكر أنها حققت في عهد الرئيس السيسي إنجازات ملموسة في ملفات مهمة عديدة ..فها هو الأمن قد عاد بدرجة يشعر بها المواطن الذي بات آمناً في سربه مطمئناً إلى أن عين الأمن ساهرة تحميه وأن للوطن درعاً وسيفاً يذود عن حدوده ويدافع عن حياته ووجوده.. كما اختفت طوابير الخبز وضحاياه ونقص إمدادات الطاقة..وحققت الكهرباء فائضاً بعد انقطاع للتيار دام سنين عديدة وتجاوزت مصر محنة الظلام الدامس الذي كان يتهددها ليل نهار....ناهيك عما تحقق من إنجازات في قطاع الإسكان لاسيما الاجتماعي منه وغيرها، وعودة الدور المصري القوي في محيطه الدولي والإقليمي بفضل جهود الرئيس وجولات الخارجية ويقظة قواتنا المسلحة التي لا تتواني عن تعزيز وسائل الردع ومواطن القوة للدولة المصرية في مواجهة مخاطر وتهديدات لم تعد خافية.

وإذا كانت الحكومة جادة في مواجهة غول الفساد والإهمال وهي بالفعل جادة في ذلك.. فهل تضع خطة فورية لصيانة الطرق ، كل الطرق، و توسيع مظلة الحماية لتمنع استغلال الأطفال في أعمال بمقابل بخس وتوفر لهم الحماية والدعم ..مع استحداث حزمة تشريعات يمكنها ردع الإهمال والفساد للوقاية منهما ومنعهما قبل وقوعهما وتجفيف منابعهما..أليست الوقاية خيراً من العلاج..؟!

لا شك أن النجاح الأكبر لأي حكومة أن تتمكن من استئصال شأفة الإهمال والفساد كشرط ضروري لتحقيق أي عدالة أو تنمية ..وثمة إجراءات بسيطة للغاية يمكن البدء بها فوراً مثل التدخل بقوة لمنع حوادث الطرق والقطارات؛ ذلك الداء القديم الذي تشير الأرقام إلى أننا نحتل مرتبة متقدم عالمياً في عدد الضحايا جراء الأخطاء البشرية القاتلة دون حسيب ولا رقيب ولا رادع ..إذ تتعدد أسباب والموت واحد ومصائد الأرواح ما أكثرها..فمن أمن العقاب أساء العمل..وكم أتعب وزراء النقل المتعاقبون أنفسهم بكثرة تشكيل اللجان لبحث أسباب حوادث الطراق والقطارات وهي بالمئات وكذلك أسباب خروج الأخيرة عن القضبان أو اصطدامها ببعضها البعض ..ولو كلفت الوزارة نفسها بالنظر في الدراسة الوافية التي أعدها د.أسامة عقيل أستاذ الطرق بجامعة عين شمس ما وصلنا لتلك الحال المتردية في الطرق والنقل منذ زمن بعيد!!

آن الأوان لتدارك وكشف وملاحقة الإهمال والفساد اللذين يمثل السكوت عنهما مفسدة ..فما تتحمله الدولة والإدارة السياسية فاتورة باهظة ترهق الميزانية العامة وتهدر موارد الدولة وفرصها في التقدم والازدهار ..فالاعتداء على نهر النيل مثلاً هو تخريب لصحة المصريين وما يلقاه النهر من تلوث عابر للمحافظات هو جريمة في حق المصريين جميعا، ووجود منشآت تصرف مخلفاتها في النيل حتى هذه اللحظة جريمة لا يصح السكوت عليها ..باختصار الإهمال والفساد داء عضال ينهش في جسد المصريين.. ولن تستطيع الحكومة وحدها مقاومته بل تحتاج المواجهة لاستراتيجية قومية وجهد مجتمعي متكامل تشارك فيه مؤسسات الدولة والمجتمع المدني..إذا أردنا لبلدنا التقدم والازدهار..فالفساد والإهمال باتا ثقافة مجتمع للأسف وتغييرهما يحتاج لتغيير هذه الثقافة جذرياً ويحتاج لقدوة حقيقية في كل موقع وتوعية دينية وتعليمية وثقافية وشبابية خالصة لوجه الوطن ..حتى نتخلص من أخطر آفات العصر وأمراضه العضال..فهل نحن فاعلون..؟!!

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة