في فجرٍ مضطرب من تاريخ الشرق الأوسط، أقدمت أمريكا وإسرائيل على تنفيذ ضربات جوية نوعية ضد منشآت نووية إيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان، مستهدفة الأعصاب الحساسة للبرنامج النووي الإيراني، ومع دخول الولايات المتحدة رسميًا على خط المواجهة، بانخراط مباشر في العمليات العسكرية، تجاوزت الأزمة مرحلة التهديدات والتحذيرات، لتدخل واقعًا مسلحًا مهيأً للانفجار، ولم تعد الحرب افتراضية، بل أصبحت فعلًا حاضرًا يفرض منطقه ويخل بتوازن القوى في منطقة تعج بالتناقضات والاحتمالات المفتوحة.
ويُعد هذا التحرك الذي تم تنفيذه بتنسيق استخباراتي غير مسبوق، وامتدادًا مباشرًا لسياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد لا يمكن عزله عن سلسلة التوترات المتصاعدة والرسائل المتبادلة والمواقف المتشنجة التي سبقت تنفيذه، ولقد شكل هذا التصعيد تتويجًا لمسار طويل من المواجهات غير المباشرة، حيث تحولت لعبة الردع إلى صدام مكشوف، ودخل الصراع طورًا جديدًا أكثر خطورة، فما جرى لا يقتصر تأثيره على حدود إيران وإسرائيل، بل يهدد أمن الخليج واستقرار النظام الدولي والعالم بأسره، ويضعنا أمام احتمالات الانفجار الشامل في منطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الحرائق.
ويظل مضيق هرمز شريان العالم من بين كل الملفات العالقة هو الأكثر حساسية وخطورة، فهذا الممر البحري الذي تمر عبره قرابة ثلث صادرات النفط العالمية المنقولة بحرًا، بات اليوم على فوهة بركان، فالدولة الإيرانية التي لطالما اعتبرت المضيق ورقة استراتيجية للردع، تجد نفسها اليوم أمام خيار استخدامه كأداة ضغط، أو تركه رهينة للتفاعلات الدولية، ومع تصاعد وتيرة الضربات وتنامي الإحساس بالعزلة والتهديد، لم يعد استبعاد سيناريو الإغلاق المؤقت أو تهديد الملاحة أمرًا بعيدًا عن الواقع.
ويعد مضيق هولمز شريانًا حساسًا في الجسد الاقتصادي العالمي ومجرد التلويح بإغلاقه كفيل بهز الأسواق العالمية، فكيف إذا حدث فعليًا؟ مما يعني تعطيل لحركة الشحن في هذا الممر الحيوي وهذا يؤدي مباشرة لاختناق في سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاعًا جنونيًا في أسعار النفط والغاز، وانهيارًا في ثقة المستثمرين ناهيك عن حالة من الذعر الاقتصادي العام في العواصم الكبرى.
وتقف المنطقة بأسرها في ظل العدوان الأمريكي - الإسرائيلي على إيران وتسارع الأحداث، على حافة هاوية جيوسياسية لا تحتمل الخطأ، فكل خطوة غير محسوبة أو رد فعل متسرع قد يشعل فتيل صراع واسع لا يطفأ بسهولة، فدول الخليج على اختلاف مواقفها تجد نفسها اليوم في مرمى النيران المباشرة أو غير المباشرة سواء عبر الاضطراب العنيف في الأسواق، أو من خلال التهديدات الأمنية المباشرة التي تطال منشآتها النفطية والملاحية، أما دول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث الحضور الإيراني المتجذر فقد تتحول سريعًا إلى ساحات اشتباك إضافية، مما يوسع رقعة المواجهة ويعقد أي محاولة جدية للاحتواء أو التهدئة، ويجعل من الصراع كرة نار متدحرجة تهدد بابتلاع الإقليم بأكمله.
ونجد أنه في المقابل تتحرك القوى الكبرى بحذر بالغ، إذ تطالب أوروبا بخفض التصعيد وتجنب الانفجار، لكنها تفتقر إلى أدوات ضغط حقيقية تمكّنها من التأثير المباشر على مسار الأحداث، فيما تتابع روسيا والصين المشهد بعين استراتيجية مدركتين أن أي انهيار في استقرار الخليج سينعكس بقوة على الأسواق التي يعتمدان عليها، كما سيقوض فرصهما في توسيع النفوذ الجيوسياسي على حساب القوى الغربية، في حين أن الولايات المتحدة التي اختارت الانخراط العسكري المباشر، تدرك أن التورط بعمق قد يقود إلى استنزاف طويل الأمد، لا تحبذه ولا ترغب به في هذه المرحلة خاصة في ظل حساباتها الداخلية واستحقاقاتها الدولية المعقدة.
وتبدو خيارات التهدئة في مواجهة هذا التعقيد المتصاعد محدودة لكنها لم تستنفد بعد، فلا يزال بالإمكان تجنب الكارثة من خلال وقف فوري لإطلاق النار، وعودة عاجلة إلى المسارات الدبلوماسية، بما يشمل تفعيل الوساطات الإقليمية والدولية لإعادة بناء الثقة ومنع الانهيار الشامل، غير أن هذا المسار وإن بدا منطقيًا وعقلانيًا، يصطدم بحسابات السياسة ومنطق القوة، وبخطاب متوتر يتغذى على مشاعر الانتقام وتوازنات الردع، ومع غياب أفق تفاوضي واضح واستمرار الضربات العسكرية، يصبح سيناريو الانزلاق إلى حرب مفتوحة أكثر ترجيحًا، لاسيما إذا استهدفت منشآت حيوية أخري، أو سقط عدد كبير من الضحايا المدنيين، أو أقدمت إيران على تهديد الملاحة الدولية و إغلاق مضيق هرمز بشكل فعلي، عندها لن تبقى المواجهة محصورة في رقعة جغرافية بعينها، ولكن ستنفتح على صراع دولي متعدد الأطراف يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط ويعيد تشكيل بنيته الجيوسياسية لعقود قادمة.
فلم يعد العدوان الإسرائيلي على إيران مجرد حدث إقليمي عابر، ولكن تحول إلى عامل اضطراب عالمي يهدد بتداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا، فالعالم الذي أنهكته أزمات الطاقة والركود والتضخم، لا يحتمل اندلاع حرب طويلة في قلب الخليج، أما غلق مضيق هرمز أو حتى مجرد التهديد المستمر بإغلاقه، فكفيل بإعادة الاقتصاد العالمي إلى نقطة الصفر، وإحياء دوامة الأزمات من جديد، وفي ظل ضعف بنية النظام الدولي وارتباك موازين القوى، فإن أي انفجار واسع في المنطقة قد يشكل مقدمة لاضطرابات أعمق تمس ركائز الاستقرار العالمي ذاته، وتدفع بالنظام الدولي إلى مفترق طرق تاريخي.
ونؤكد في هذا المنعطف الحرج أن المنطقة تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم، إما أن تتراجع خطوة نحو العقل والحكمة، فتنقذ ما يمكن إنقاذه، وإما أن تنجرف إلى الهاوية بكل ما تحمله من فوضى ودمار، فالحروب الكبرى لا تنفجر دفعة واحدة، بل تبدأ غالبًا من تجاهل خطر صغير أو قراءة خاطئة للأحداث، ثم تتدرج سريعًا في دوامة تصعيد لا يمكن الفكاك منها، وهنا يبدو مضيق هرمز هو البوصلة الأكثر دقة تقاس بها درجة الخطر، فإن بقي مفتوحًا فثمة أمل في احتواء الأزمة؛ أما إذا أُغلق، فإن العالم بأسره سيدخل نفقًا مظلمًا من الاضطراب، يصعب التنبؤ بمآلاته.
بقلم
أ.د/ مها عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر