رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض


الحقيقة التي باتت واضحة الآن أن هجوم إسرائيل على إيران لم يكن فقط بدافع الخوف من امتلاك طهران للسلاح النووي، بل كان بدافع الرغبة في إضعاف عدوها الإقليمي و إشغال العالم بساحة جديدة تجذب الأنظار و في نفس الوقت تتفرغ إسرائيل لتحقيق طموحاتها في فلسطين المحتلة بسهولة ليحقق نتنياهو مقولته المتكررة والمعتادة " في العامين الماضيين "نحن نعير الشرق الأوسط", فهذا التصعيد الذي يشغل العالم الآن يأتي في وقت تنفذ فيه إسرائيل عمليات عسكرية واسعة في غزة والضفة الغربية بعيدا عن أعين الإعلام، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب مع إيران، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، كانت إسرائيل تزعم أن هدفها تحرير رهائنها لدى حماس، إلا أنها الآن لم تعد تخفي نيتها السيطرة الكاملة على القطاع، وتدميره بالكامل, و في الضفة الغربية، تسارعت وتيرة الاستيطان والعنف, فقد هجّرت القوات الإسرائيلية 40 ألف فلسطيني من مخيمات لاجئين، ودمرت مئات المنازل. كما أعلنت الحكومة خططًا لبناء 22 مستوطنة جديدة، وأطلقت عمليات تسجيل أراضٍ توصف بأنها تمهيد لفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة, كل هذا يحدث و نحن أمام الشاشات المقسمة بين طهران و تل أبيب نتابع الحرب.

إسرائيل التي بدأت العدوان على إيران تصف هجومها بأنه "وقائي"، والغرب مجتمعا يقبل هذه الرواية و يروج لها سواء على المستوى الدبلوماسي أوحتى في الإعلام رغم أن القانون الدولي لا يقر بهذا النوع من الاستباق ذريعةً للعدوان
[الأمر اللافت في هذه الحرب أنها لم تكن لتحدث لولا ضوء أخضر من الولايات المتحدة الأمريكية, و في رأيي لن تنتهي من دون ضوء أحمر أمريكي, فإسرائيل منذ وجدت في منطقتنا العربية تحارب بالسلاح والدعم الأمريكي على اختلاف أنواعه, وداخل الولايات المتحدة تبدو إسرائيا وكأنها الولاية الأمريكية الحادية و الخمسون .

واشنطن رغم أنها أعطت إشارة البدء لهذه الحرب, فأهدافها قد تختلف بعض الشيء عن أهداف ربيتها إسرائيل, صحيح أن الهجوم على إيران حظي بدعم علني من الرئيس الأمريكي، الذي أشاد بالعملية ووفر لإسرائيل صواريخ متطورة قبيل الهجوم, ويتحدث بصيغة الجمع مستخدما " نحن" و "نا الفاعلين" عند الحديث عن الحرب و كأنه و إسرائيل في خندق واحد في مواجهة إيران, لكن واشنطن في الأخير لا تريد محو إيران من المعادلة مثلما تريد إسرائيل, ففي رأيي أن الولايات المتحدة لن تستفيد كثيرا إذا سقط النظام في طهران, الرئيس الأمريكي يدير سياسته ببراجماتية شديدة ترفع شعار أمريكا أولا وقبل كل وأي شي, واشنطن فقط تريد ممارسة الضغوط الكبيرة على إيران لإجلاسها مرغمة على مائدة التفاوض لتوقيع اتفاق نووي بالشروط الأمريكية الإسرائيلية معتقدة أن ما لم توافق عليه طهران وقت السلم ستوافق عليه وقت الحرب, وفي تصوري أن الغرب مجتمعا يتبنى نفس الرواية الأمريكية تجاه طهران, يريد الغرب تجريد إيران من السلاح النووي وإضعافها, فبريطانيا مثلا تبنّت التهدئة ظاهريا، رغم كونها حرّكت قوات نحو الشرق الأوسط وفتحت الباب أمام دعم عسكري محتمل لإسرائيل, وتم بالفعل اعتراض بعض الصواريخ الإيرانية بفضل الدعم الحاسم من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، لكن صواريخ أخرى أصابت أهدافًا مدنية وبُنى تحتية حساسة.. وفي بيانها أكدت مجموعة السبع الكبرى على"حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"! ووصفت إيران بأنها مصدر عدم استقرار في الشرق الأوسط، و"لا يمكن أن تمتلك سلاحا نوويا أبدا".

الشاهد الآن أن العالم يشهد تحولا تاريخيا، إذ تفلت إسرائيل دائما من العقوبة من قبل المجتمع الدولي وهذا سبب رئيسي في استمرار عملياتها العدوانية الواسعة، لدرجة أنها هاجمت ست دول خلال فترة زمنية قصيرة, ويُعد هذا التحول من أبرز الأحداث على المستوى الجيوسياسي في الفترة الأخيرة.

أخيرا في رأيي أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لديه أهداف عدائية في المنطقة بأكملها -مدعومة أمريكيا-, ويدير مخططا خبيثا والمسألة ليست في إيران وحدها ولا حتى في امتلاكها سلاح نووي, فالهجوم على إيران مجرد خطوة في "الشرق الأوسط الجديد" المزعوم توسع بها إسرائيل نفوذها في المنطقة بالقضاء على مراكز القوى وغالبا هناك خطوات لاحقة, ووقتها لا نعلم بأي ذريعة ستتذرع, وهل ستقول نووي أم أشياء أخرى.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة