رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لحظة تمرد


هل الثقافة تكون منقذا من الجنون و عتمات الواقع، من أكاذيب السياسة وعنف صواريخ وقنابل الحرب، فإذا كانت الحرب هى أداة الفناء والموت فالثقافة والفن والابداع هى منابع الحب والإنسانية والحياه بعينها ، أهرب بالنور القادم من الثقافة من مأس اللحظة الراهنة ومحاولات جر العالم الى الهاوية وما أدراك ما هي ، نار حامية ..إسرائيل كالعاهرة التى تحاول جر كل الشرفاء الى الهاوية ، تشعل المنطقة هنا وهناك من غزة وفلسطين المحتلة كلها الى لبنان الى سوريا الى اليمن وأخيرا الى ايران ، تحاول جر العالم كله والمنطقة العربية والشرق الوسط كله الى انفجار لو حدث فلن يبقى ولا يذر ، لماذا ؟
لأن العالم على شفا الانفجار، فما بالكم لو جاء من مخزن الوقود، حتما سيمتد الاشتعال للعالم كله من ضرب صواريخ وقنابل البارود فى خزانات الوقود
سامحونى سأهرب بكم من جحيم اللحظة الى لحظات مر عليها شهور لم أكتب عنها ، أهرب اليها وبكم من قسوة لحظة أضع يدى على قلبى وحتى يكتب الله أمر كان مفعولا ، مما لا يحمد عقباه ، أذا أشتعلت حرب عالمية ثالثة تكون بها نهاية العالم ، ليأت الهه بخلق جديد
• نعم الاقتصاد الآن هو " السيد " فى العلاقات بين الدول حيث يسعى زعماء الدول فى زياراتهم الخارجية الى عقد الصفقات والإتفاقيات الإقتصادية ، ويقاس حجم القوى والتأثير والتعاون بين الدول بحجم التبادل التجارى والاقتصادى والصناعى
ولكننى توقفت عند زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمصر منذ شهور عند عدة محطات كانت الثقافة هى البطل فيها ، خطفت الأنظار من جهة وعكست الحب والشغف والعشق الفرنسي للحضارة والثقافة المصرية..
والمتأمل للإستعمار الفرنسي حين كان يحتل العديد من الدول فى الحقب الزمنية الماضية ، يلحظ البعد الثقافى حاضرا وبقوة الى جانب القوة العسكرية ولو كان احد أدوات الإستعمار الفرنسي فى سابق العصر والآوان للتغلغل والسيطرة ، انتهت حقبة الإستعمار الفرنسى والبريطانى ولكن يظل الأثر باديا فى أثاره الباقية ومنها اللغوى والفنى والإبداعى، والمثال الحى أمامنا رحيل الإحتلال الفرنسي عن المغرب العربى بدوله الثلاثة وبعض الدول الإفريقية ولبنان وسوريا تاركا خلفه تأثيرا لغويا مازال حيا بيننا بسيطرة اللغة الفرنسية فى شعوب هذه الدول على حساب اللغة العربية واللهجات المحلية ..
وفى مصر كلنا نعرف ، وتكاد أن تكون ظاهرة نادرة حين جاءت الحملة الفرنسية على مصر ومن بين صفوفها ، أو قل الكتيبة الرئيسية فيها مجموعة من الباحثين والفنانين والعلماء لدراسة مصر وكانت النتيجة موسوعة وصف مصر التى ما تزال بيننا بتأثيراتها وكان أثرها فك اسرار الحضارة الفرعونية بفك رموز الهيروغليفية الساكنة على وجه حجر رشيد.
المهم العشق الفرنسي للثقافة والحضارة المصرية تلحظه فى أى أحاديث وحوارات ، لن أقول الرسمية فحسب ولكن فى الأوساط الشعبيىة الفرنسية ، هناك ولع بالأثار الفرعونية جعلتهم ينشئون علم خاصا بالمصريات ، وقد لمست ذلك عن قرب أثناء زياراتى لفرنسا ، فتجد إحتفاء كبيرا للغاية فى القسم المصرى فى متحف اللوفر وتقديرا كبير للمسلة الفرعونية الشامخة شموخ المصريين القدماء فى ميدان الكونكورد الذى يعد من أكبر ميادين العاصمة الفرنسيه باريس ..
والكم الهائل من الدراسات الفرنسية عن مصر يعكس هذا الولع بهوليود الشرق ، والحب متبادل بعيدا عن النزعة الاحتلالية الإستعمارية، ومن محطاتها ولع محمد على الكبير بها فأرسل ومن بعده أولاده البعثات اليها وأقام المدارس العليا ( الجامعات ) على غرارها مثل مدرسة الألسن والطب والهندسة والعسكرية .. الخ لتكون طريقنا للنهضة.
ومن المحطات المهمة أيضا حين أراد الخديوى اسماعيل أن يحلم بمصر جديدة ومختلفة إتجه بحلمه الى فرنسا فأنشأ وسط القاهرة " القاهرة الخديوية " على غرار باريس واستقدم المهندس الذى خطط باريس ليخطط وسط القاهرة، كما استقدم العديد من المعماريين الفرنسيين ليحولوا الحلم الى واقع مازالت أثاره بيننا فى عمارات وبنايات وسط البلد ، طبعا تم استقدام معماريين من ايطاليا وغيرها لكن تظل البصمة الفرنسية فى المقدمة ...لذلك لم أندهش من انعكاس هذا الولع الفرنسي بالتراث الحضارى والثقافى المصرى.
• توقفت عند اصطحاب الرئيس عبد الفتاح السيسى للرئيس الفرنسى الى منطقة خان الخليلى بعد وصوله بدقائق لتناول العشاء والتجوال بين أكبر متحف مفتوح يعكس البعد الاسلامى الحضارى فى هذه العمارة ، و البعد المضئ الذى أكسبته مصر للحضارة الاسلامية ، نعم دخل العرب بالاسلام الى مصر لكن سرعان ما هضمتهم البوتقة الحضارية المصرية لتنتج فنا مختلفا عن تتابعاتها الحضارية ولتعطى بعدا حضاريا أو قل لتنشئه أول مرة حتى وإن كانت عواصم الخلافة فى الكوفة او دمشق
• المهم عشق الفرنسيين للحضارة ظهر واضحا فى سعادة الرئيس الفرنسي وهو يتجول فى خان الخليلى حيث رأى الحضارة المصرية حية أمامه فى الحجر و البشر ودفء مشاعرهم التى لا يخطئها الا حاقد وجاحد.

ورغم تميز المطبخ الفرنسي بالعديد من المأكولات ويكفى أن أذكر أثناء زيارتى التى أمتدت أسابيع لباريس لم أستطع تذوق كل انواع الجبن والسلاطات ، فضلا عن الإتيكيت الفرنسي فى تقديم الاكلات يجعلك تشعر بانك فى محراب فن وليس مطعم

المهم أن الأكلات والضيافة الشعبية المصرية خطفت قلب وعقل ولسان ومعدة الرئيس الفرنسي حين دعاه الرئيس السيسى على العشاء بعيدا عن المآدب الرسمية، وكانت النتيحة إنبهارا جديدا بالأكل المصرى الذى يعتبر رافدا مهما فى الثقافة المصرية..

نجحت "السلطات" المصرية للقادم من بلد الموضات والمذاقات فى إبهاره، ونجح "بابا غنوج "والطحينة والباذنجان المخلل أن يفوزوا على طابور السلطات الفرنسية ، وخجلت سلطة "نيسواز" الفرنسية من نفسها أمام إعجاب ماكرون ب "الباذنجان المخلل"، حتى المشويات "الشيش طاووق والطرب والكباب" كان لهم طعما ومذاقا مختلفا فى رحاب خان الخليلى.

إعجاب الرئيس الفرنسي بالمأكولات المصرية أدهش الحاضرون حين أكل بعض الأكلات المصرية، و ذاق كل الأصناف الأخرى ».

وأبدى أعجابه الشديد بها خاصة بعد أن أستمع لنبذة مختصرة عن مكوناتها، وللدرجة التى ظن البعض ان الرئيس الفرنسي قال فى نفسه : "لولا البروتوكولات والوفد المرافق لطلبت "تيك أواي".

وأعتقد أن ماكرون قال فى نفسه ليتنى أعيش هنا شهورا وسنوات طويلة حتى أستمتع بهذا الزخم الحضارى الذى جعله يلهث ليقتنص ساعاته المحدودة ويقسمها بين عدة محطات نذهب معه، هذا هو الفارق بين مصر الحضارية وبين من يجرون العالم للهاوية.
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة