في توقيت بالغ الحساسية، كشفت وكالة رويترز، في تقرير نشرته بتاريخ 12 يونيو 2025، عن مؤشرات قوية على أن تنظيم "داعش" الإرهابي بدأ يعيد تنظيم صفوفه بهدوء في سوريا والعراق، ويستغل الفراغات الأمنية والصراعات الجارية للعودة إلى المشهد الإقليمي. هذا التحذير الخطير تزامن مع تطور دراماتيكي آخر لا يقل أهمية حيث شنّت إسرائيل فجر 13 يونيو 2025 ضربة عسكرية مركزة على أهداف داخل طهران، وردّت إيران في نفس بموجة صاروخية غير مسبوقة استهدفت تل أبيب ومحيطها.
هذه الأحداث المتلاحقة، وخصوصًا تزامنها الزمني، تكشف عن بيئة إقليمية شديدة الهشاشة، بات فيها الإرهاب والصراع العسكري وجهين لعملة واحدة، يشكلان معًا أخطر تهديد للأمنين الإقليمي والدولي منذ سنوات.
وبحسب تقرير رويترز، استندت التحذيرات إلى مصادر استخباراتية وأمنية من الولايات المتحدة والمنطقة، أشارت إلى أن تنظيم "داعش" بدأ بالفعل تفعيل خلاياه النائمة، وتحريك عناصره من مناطق البادية السورية إلى مدن استراتيجية كـ"حلب" و"حمص" و"ريف دمشق"، كما رُصد نشاط متزايد له في جبال حمرين شمال العراق، وهي منطقة تقليدية لعملياته.
وأكد مستشار أمني عراقي للوكالة أن هناك عمليات نقل أسلحة، واستطلاع، وبناء خطوط اتصال جديدة، بالتوازي مع استخدام التنظيم لتطبيقات مشفرة لاختراق المجتمعات الهشة أمنيًا واجتماعيًا.
وتقدّر الأمم المتحدة عدد مقاتلي التنظيم المتبقين في العراق وسوريا بين 1500 و3000 عنصر، بينما تعمل قياداته على إعادة بناء شبكة تمويل وتجنيد مستفيدة من انشغال الدول الكبرى بملفات عالمية أخرى، وفي مقدمتها الصراع في أوكرانيا، والحرب الاسرائيلية علي غزة والأزمات الاقتصادية، والتوتر الآسيوي – قبل أن يتفجر فجأة الملف الأخطر في المنطقة ألا وهو التصعيد الإسرائيلي الإيراني.
في صباح 13 يونيو 2025، نفّذت إسرائيل ضربات جوية وصاروخية واسعة ضد منشآت عسكرية ونووية في العاصمة الإيرانية طهران، ضمن ما سُمي بـ"عملية الأسد الصاعد"، وذلك ردًا على تهديدات متزايدة من الحرس الثوري الإيراني في سوريا ولبنان. وقُتل في الضربة عدد من قادة الحرس الثوري، إلى جانب تدمير منشآت حيوية يعتقد أنها تُستخدم في تطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة.
ردت إيران مساء نفس اليوم (13 يونيو) بعملية أطلقت عليها اسم "الوعد الصادق 3"، وشملت إطلاق مئات الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه تل أبيب والقدس والنقب، ما أدّى إلى تدمير منشآت ومخازن، وإعلان حالة التأهب القصوى في الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
وسط هذا التصعيد، حدث ما كان متوقعًا: تراجع الانتباه العالمي عن التهديدات "غير التقليدية" مثل الإرهاب، وانشغلت المنصات الأمنية والإعلامية والعسكرية بالكامل بقراءة "ميزان القوة" بين إيران وإسرائيل. هذه "الغفلة الأمنية"، كما وصفها خبراء في تقرير رويترز، قد تمثل اللحظة المثالية لـ"داعش" كي يعيد تشكيل نفسه مما يعد بيئة مثالية لعودة التنظيمات الإرهابية.
تاريخيًا تستثمر "داعش" الفوضى علي سبيل المثال عام 2014، صعد داعش مستغلاً انهيار الدولة في العراق وانشغال سوريا بحربها الداخلية. واليوم، يُعيد الكَرّة، مستغلًا فراغًا أمنيًا جديدًا من نوع مختلف، يخلقه الصراع الأقليمي المباشر بين تل ابيب وطهران.
وتشير المؤشرات الواردة من العراق وسوريا إلى محاولات داعش إعادة التمركز في مناطق جبلية يصعب الوصول إليها، اضافة الي تحركات لوجستية سرّية مع محولات إعادة تأهيل لمقاتلين قدامى وجدد.
ورغم تمركز النشاط الميداني لتنظيم داعش حاليًا في سوريا والعراق، إلا أن تداعياته لا تقتصر على حدود هاتين الدولتين، بل تمتد إلى آسيا الوسطى والصين. فوفق تقارير استخباراتية غربية، لا يزال عدد من مقاتلي التنظيم ينتمون إلى أقلية الإيغور الصينية، ما يثير قلق بكين من احتمال عودتهم إلى إقليم شينجيانغ، أو تأثيرهم المحتمل في المجتمعات المسلمة في آسيا الوسطى.
وتراقب الصين التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران بقلق مضاعف، (أمني واقتصادي)، إذ تدرك أن أي انفلات في مناطق نفوذها، أو في مسار مبادرة "الحزام والطريق"، قد يهدد استقرار مشاريعها الاستراتيجية في المنطقة. ومن هذا المنطلق، بدأت بكين بتعزيز تعاونها الأمني مع دول محورية مثل باكستان وإيران وروسيا، ضمن مساعيها لإغلاق الثغرات أمام تمدد الإرهاب.
في الواقع، إن عودة داعش، حتى لو كانت محدودة النطاق، لا تشكّل مجرد تهديد عسكري مباشر، بل تنذر بعودة "عدوى أمنية" تتسلل عبر الحدود، مستغلة البيئات الهشة، لتعيد مشهد عدم الاستقرار إلى الواجهة. وهذا يتطلب من مصر والدول العربية والاسيوية الارتقاء بمستوى التنسيق الأمني والاستخباراتي، وتوسيع نطاق الردع الوقائي، كما تبرز الحاجة إلى تحصين المجتمعات المعرّضة للاختراق الفكري بالتنمية، والتعليم، وتجديد الخطاب الديني.
في هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة لفتح قنوات تنسيق استراتيجية مع القوى الآسيوية المؤثرة، وعلى رأسها الصين، والهند، ودول منظمة شنغهاي للتعاون، من أجل تبادل المعلومات الاستخباراتية، وصياغة رؤى أمنية مشتركة، والاستفادة من الخبرات المصرية المتراكمة في مكافحة الإرهاب.
ولا يمكن إغفال التوقيت اللافت لتقرير وكالة "رويترز"، الذي صدر قبل 24 ساعة فقط من الضربة الإسرائيلية غير المسبوقة التي استهدفت منشآت داخل إيران ، وما تبعها من رد إيراني واسع النطاق. هذا التزامن لا يبدو عابرًا، بل يعكس لحظة مفصلية تشهد فيها المنطقة تحولات حادة، إذ يتقدّم الإرهاب بهدوء في ظل الانشغال بالجبهات العلنية المشتعلة.
ويبقى السؤال المطروح: هل يصبح خطر الإرهاب، هذه المرة، دافعًا لتوحيد الجهود الإقليمية والدولية، أم تظل الاستجابات مبعثرة وسط اللهب المتصاعد من تل أبيب إلى طهران، بينما تتسلل التنظيمات الإرهابية مجددًا عبر ثغرات الغفلة والتجاهل؟