حوسبة المستقبل بين صدارة الصين وفرصة مصر
كمومية الصين لا تخيف.. إذا تحرك العقل المصري
في سطور ..
إنه زمن تتحكم فيه التكنولوجيا بمستقبل الدول، حيث تبرز الحوسبة الكمومية كأحد أسرع مفاتيح السيطرة والنهضة.
الصين دخلت هذا المجال بقوة، واستثمرت تريليونات لبناء مختبرات المستقبل، بينما بدأت مصر خطوات واعدة بجهود علمية محلية ومبادرات دولية.
الفرق بين الحوسبة التقليدية والكمومية كالفرق بين دراجة ومحرك نفاث، ومن يفهم الكيوبت الآن يملك زمام المستقبل.
تمتلك مصر العقول والبنية الرقمية، وتحتاج فقط لقرار استراتيجي يدفعها نحو الريادة في هذا السباق.
السؤال الحاسم: هل ننتظر أن يصنع الآخرون المستقبل عنا، أم نبدأ الآن في صناعته بأنفسنا؟
*******************************
في عصر باتت فيه التكنولوجيا تقود مجرى التاريخ، تحوّلت المعرفة إلى سلاح ، إذ لم تعد ساحة المنافسة تقتصر على الاقتصاد أو الجغرافيا، بل أصبحت تسير في خطوط دقيقة داخل بنيان الذرات وعلى مداخل المعادلات الكمومية. في قلب هذه المعركة التقنية، يقف "الكيوبت" – حجر الزاوية في مفهوم الحوسبة الكمومية – كرمز لفجر جديد في عالم الحسابات، الصوت، الأمن وحتى الطب. السباق على هذه التقنية أشبه بـ"لعبة ملوك" في العالم الحديث؛ فمن يملكها أولًا، يمتلك القدرة على فك الشفرات العسكرية، تعزيز الذكاء الاصطناعي، تسريع الاكتشافات الطبية، ومحاكاة أنظمة بيئية واقتصادية لم يكن بالإمكان التفكير فيها من قبل. وهذا ما يدفع الكبار: الصين والولايات المتحدة، إلى حرب تقنية بلا أشلاء ولا مدافع، بل ببكتيريا الكم ومعادلاتها الدقيقة.
ولفهم مصطلح _الحوسبة الكمومية_ سوياً وببساطة بعيداً عن التعقيدات العلمية، تخيل أن لديك سيارة بمحرك 2000 سي سي تمثل الحواسيب التقليدية، وهي جيدة وسريعة. فجأة ظهر محرك بمليون سي سي، هذه هي الحوسبة الكمومية. الفرق هنا أن "الكيوبت" – وحدة الحوسبة الكمومية – لا تعمل مثل البت العادي الذي يكون إما ( صفر أو واحد ) ، بل يمكنه أن يكون الاثنين معاً في نفس اللحظة بفضل قوانين ميكانيكا الكم. هذا يسمح للحاسوب الكمومي بحل معادلات بالغة التعقيد في ثوانٍ، بينما تستغرق أقوى الحواسيب التقليدية سنوات للقيام بذلك.
الصين، التي عُرفت دائمًا بـ"مصنع العالم"، تحوّلت اليوم إلى "مختبر العالم". لقد استثمرت مليارات الدولارات في المجال الكمومي، وأنشأت بنى تحتية ضخمة ومراكز متخصصة، مدركة أن الكيوبت ليس مجرد اختراع بل مفتاح سيادتها المستقبلية. أنفقت الصين تريليونات من اليوان على البحث والتطوير، وأنشأت أكبر مختبر وطني لعلوم المعلومات الكمومية في العالم، مما يبرهن على إرادتها القوية للسيطرة على قمة التكنولوجيا العالمية.
ورغم التحديات التى تعيشها مصر فانها تتمتع بمجتمع رقمي متنامٍ بسرعة، فهناك 82.01 مليون مستخدم للإنترنت في مصر في بداية عام 2024 ويذلك وصلت نسبة مستخدمي الإنترنت إلى 72٪ من السكان. كما تشهد البلاد نشاطًا متزايدًا في قطاع مراكز البيانات، مع استثمارات وصلت إلى حوالي 278 مليون دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن ترتفع هذه الاستثمارات لتصل إلى 694 مليون دولار بحلول عام 2030
وهذا يؤكد ان مصر تمتلك ترجمة فعلية لهذا الحراك العلمي فهي تزخر بالعقول اللامعة في مجالات النانو والفيزياء وعلوم الكمبيوتر، وقادت الدولة جهودًا رائدة في تنظيم مبادرات بحثية وتدريبية. من أبرزها مبادرة "QEgypt"، التي تأسست في أبريل 2021 ، والتى أطلقها علماء من جامعة الإسكندرية بالتعاون مع فرق من جامعات مصرية أخرى، بهدف تعزيز البحث والتعليم الكمومي في مصر والعالم العربي. كما أطلقت مؤسسات مثل جامعة العلمين الدولية، بالشراكة مع QEgypt وQWorld، دورات صيفية تمهيدية شاملة تعتمد نهجاً تعليمياً عملياً في بيئة أكاديمية دولية. ، في نفس الوقت تشترك وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في دعم هذه الجهود عبر تنظيم ورش متخصصة بالتعاون مع جامعة مصر للمعلوماتية، وتوقيع شراكات دولية مع شركات كبرى مثل IBM. كما تؤسس مؤسسات مثل المركز القومي للمعلومات والتقنية ومبادرات جامعات خاصة مثل جامعة كينغز و6أكتوبر ، والجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، بيئة بحثية حيوية تعزز من بناء القدرات. ومن الأمثلة العلمية المضيئة – علي سبيل المثال لا الحصر _ في هذا المجال ، جامعة الإسكندرية التي يقودها في هذا المجال رواد مثل أحمد يونس، مؤسس مؤسس ورئيس مجموعة الإسكندرية للحوسبة الكمية
فالحوسبة الكمومية ليست مجرد تقنية جديدة، بل ثورة ستؤثر بعمق على الأمن والاقتصاد العالميين. على صعيد الأمن، ستغير هذه التقنية قواعد التشفير وفك الشفرات، حيث يمكن للحواسب الكمومية أن تحلل وتفك تشفيرات معقدة خلال ثوانٍ، ما يفرض تطوير أنظمة حماية كمومية جديدة لضمان الأمن السيبراني وحماية المعلومات الحساسة. اقتصادياً، كما ستسرع الحوسبة الكمومية من الابتكار في مجالات متعددة مثل الذكاء الاصطناعي، تطوير صناعة الأدوية، تحسين شبكات الطاقة، ونمذجة الأسواق المالية ( أي استخدام الحوسبة الكمومية لمحاكاة وفهم سلوك الأسواق المالية المعقدة بدقة أعلى وسرعة أكبر مما هو ممكن بالحواسيب التقليدية ) مما يفتح آفاقاً جديدة للنمو الاقتصادي المستدام ويعزز من تنافسية الدول والشركات في السوق العالمية.
بالنظر إلى هذه المعطيات، لا يمكن لمصر أن تبقى متفرجة في هذا السباق العالمي. فمصر تمتلك بنية تحتية رقمية متطورة، بالإضافة إلى كفاءات علمية متميزة في الفيزياء وعلوم الكمبيوتر، وإرادة حكومية واضحة تدعم التكنولوجيا الحديثة. مبادرات مثل تحالف QEgypt تؤكد أن هناك أساساً قوياً يمكن البناء عليه. كما أن التعاون مع شركات دولية وفتح ورش تدريبية يعكس التوجه الجاد لاستثمار عقول الشباب في مجال الحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي.
لكي تستغل مصر هذه الفرصة بشكل فعّال، هناك عدة خطوات عملية يمكن العمل عليها ودراستها: أولاً، إنشاء صندوق بحثي وطني مخصص لدعم مشاريع البحث والتطوير في الحوسبة الكمومية، مع التركيز على تطوير التطبيقات المحلية. ثانياً، تأسيس مركز تدريب وتأهيل بالتعاون مع الصين، يستهدف بناء قدرات العلماء والمهندسين الشباب في المجال الكمومي، ويدعم تبادل الخبرات والمعرفة. ثالثاً، تعزيز الشراكات بين الجامعات والقطاع الصناعي لضمان تحويل الأبحاث الكمومية إلى تطبيقات صناعية واقتصادية فعلية. وأخيراً، تطوير سياسات تحفيزية لدعم الابتكار البحثي وتسهيل التعاون الدولي، بما يضمن لمصر موقعاً استراتيجياً في خارطة التكنولوجيا المستقبلية.
في خضم هذا السباق، لا يُعد امتلاك المختبرات والآلات فقط مفتاح النجاح، بل الإنسان والعقل هو الأساس. ونؤكد دائما أن مصر تمتلك كوادر علمية متميزة داخل البلاد وخارجها، وخبرة تراكمية في الفيزياء والرياضيات وعلوم الكمبيوتر، إضافة إلى شباب مبدع وعقول مهاجرة أثبتت جدارتها عالمياً. إذا ما استُغلّت هذه المقومات بإرادة سياسية واضحة ورؤية استراتيجية متكاملة، سيكون لمصر مكان بارز في عصر الحوسبة الكمومية ومستقبل التكنولوجيا.
الحوسبة الكمومية ليست مجرد تطور تقني عابر، بل بوابة إلى عالم جديد ستُرسم خرائطه بأيدي من يملكون الجرأة على السبق والقدرة على الاستثمار في عقولهم. الصين أدركت ذلك مبكرًا، ودفعت المليارات لتأمين موقعها في قلب هذا التحول.
أما مصر، فإنها لا تفتقر إلى الإمكانات، بل إلى القرار الذي يحول الطاقة الكامنة إلى فعلٍ يُحدث الفارق. فلدينا العقول، والكوادر، والرغبة في التقدم... ويبقى أن نحسم الخيار: هل ننتظر حتى يُرسم المستقبل من دوننا، أم نبدأ اليوم في صناعته بأيدينا؟ الخيار لنا، والفرصة لن تنتظر طويلًا.
____
*المستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
والخبير بالشأن الصيني
[email protected]