رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

رسالة


لست ناقدا فنيا ولا أسعى لذلك، كما أننى لست مشاهدا جيدا للمسلسلات، لكن مرورى بأحد مشاهد مسلسل "حسبة عمرى" كان كافيا لاستشعار رسالة مضمرة "حق الكد والسعاية" سرعان ما تأكدت بعد متابعة بعض الحلقات. رؤية أحادية تعيد تعريف المفاهيم عبر سرد ناعم وحبكة محكمة توجه المشاهد دون أن يدرى.
العمل احكم بدقة، لتمرير رسالة يتم تسويقها منذ فترة فى وسائل الإعلام لكنها لم تلق استجابة حتى من صاحبة الشأن نفسها "المرأة" فكان هذا المسلسل: عمل فنى يغازل العقول بأسلوب ناعم ومع التكرار نألفه، ونتقبله.
سوق مسلسل "حسبة عمري" مفهوم "الكد والسعاية" من خلال نموذج مثالي لامرأة مطلقة، تعيش حياة قاسية، لكنها تظهر أمام المشاهد صبورة، نبيلة، لا تُخطئ. امرأة تُهان وتُطرَد من بيتها، ثم تعود لتقف بجوار طليقها في مرضه، متجاوزة كل ما تعرضت له من جحود وقسوة، والنهاية، يكافئها الزوج بوصية يمنحها نصف ثروته، متأثرا برسالة المسلسل بحقها في "الكد والسعاية"، نظير خدمتها له ورعايتها لأبنائه.
إن كان الزوج تأثر فماذا نحن بفاعلون، نهاية ملائكية لبطلة بلا خطأ، نموذج مثالى مغلّف بالقداسة والتسامح. لكنها، برغم كل ما تثيره من تعاطف، تظل بعيدة عن الواقع، غير ممثلة لحقيقة العلاقة الزوجية بتعقيداتها وموازينها الفعلية.
دهاء العمل يكمن في تمرير الرسالة برضا الطرف الآخر الرجل إذ لم يصور كظالم أو عنيف أو أناني، بل اعيد تقديمه في لحظات تعاطف إنسانى؛ كما لم تُظهر "هند" في صورة المتمردة أو المتسلطة، فتم إنتاجها في قالب الزوجة الناعمة، الحانية، المؤثرة في القلوب، حتى تتسلل الفكرة إلى وعى المشاهد دون مقاومة.
لماذا ربط هذا الحق بانتهاء العلاقة الزوجية؟ الدعوات المتكررة التي تُطالب بمنح المطلقة نصف ممتلكات زوجها لمجرد انتهاء العلاقة الزوجية، ليست سوى أصداء لأطروحات نسوية تتبناها جمعيات تسمى حقوقية، بينما تؤدى عمليًا إلى مزيد من التفكك الأسرى والنزاعات القانونية والاجتماعية.
أخطر ما في هذه الدعوات أنها تستند على مرجعية دينية منقوصة، وتقحم اجتهادات في غير محلها لتبرير قانون يخالف روح الشريعة الإسلامية، ينص على منح المرأة المطلقة نصف ما امتلكه الزوج منذ بداية الزواج، بزعم أنها شريكة في تنمية ثروته برعاية الأسرة!
يستند هؤلاء إلى قصة حبيبة بنت رُزيق التي قضى لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكسبها، لأنها كانت تعمل وزوجها يتاجر بنتاجها، أما اليوم، فيُراد أن تُمنح المرأة نصف التركة لمجرد كونها "زوجة"! وهذا خطأ جسيم.
الشريعة الإسلامية تميز بوضوح بين نوعين من المشاركة: مالية، وهي أن تسهم الزوجة برأس مال فعلي في مشروع الزوج، أو بدنية، بأن تبذل جهدا مباشرا في نشاط ربحى أما رعاية الزوج وتربية الأبناء، فهى التزام شرعى لا تستوجب اقتسام الثروة، بل تقابل بالنفقة.
يتحدث المؤيدون عن رفع ظلم اجتماعي واقع على المرأة، ويطالبون بإقرار "حق الكد والسعاية" كتعويض مستحق عن سنوات العطاء الأسري. لكن هل يعكس هذا المشهد واقعًا اجتماعيًا حقيقيًا؟ وهل نحن أمام ظاهرة تستدعى تشريعًا جديدًا؟
الواقع يُكذّب هذه الصورة: لا توجد نماذج موثقة لنساء شاركن في تنمية ثروات أزواجهن بهذا الشكل ثم طُردن دون وجه حق، ولم يتحوّل الأمر إلى ظاهرة تستدعي سن قوانين جديدة. المرأة اليوم ليست ساذجة كما تُصوّر بعض الحملات، ولا تُهدر كدها دون وعى.
إن التعامل مع الحياة الزوجية بمنطق العقود التجارية لن يُنصف المرأة أو الرجل، يهدم الحياة الزوجية، بل يُحوّل الزواج إلى ساحة صراع وخصومة. وحين يُغلف ذلك بخطاب عاطفى درامى، فإن الخطر يتضاعف، لأن الفكرة تتسلل إلى وعى المجتمع دون مقاومة، وكأنها الحل العادل.
المطالبة بنصف ثروة الزوج هو ميراث بالحياة، بينما الشريعة لم تمنح المرأة ميراثًا من زوجها إلا بعد وفاته، وبشروط واضحة: إن لم يكن له أولاد، فلها الربع. وإن كان له أولاد، فلها الثمن.
إن فتح الباب لمثل هذه القوانين قد يُحول الطلاق إلى معركة تصفية حسابات، لا نهاية لحياة اصبحت مستحيلة، بل قد يُشعل فتيل جرائم أسرية بدافع الغضب أو لمزيد من شق حياة الاسرة بسبب الطمع. والأسوأ أنه يُكرس نموذجًا مستوردًا من ثقافات لم تنجُ أسرها من التفتت، رغم كل ما فرضته من قوانين مساواة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الدعوات ليست مجرد اقتراحات قانونية، بل خطوات مدروسة لإزاحة المرجعية الدينية. وقد رأينا ذلك في تصريحات متكررة لـ د. سعد الهلالي، كان اخرها دعوة إلى "تسامح شعبى" في قسمة الميراث، وعرضه للاستفتاء، في تجاهل صريح لنصوص القرآن:
"يُوصيكم الله في أولادكم للذَّكر مثل حظ الأنثيين".
القضية أكبر من قانون، إنها صراع على هوية المجتمع، ومرجعية التشريع فيه؛ ومن المقلق أن تتزامن هذه الدعوات مع محاولات متكررة من اتجاهات مختلفة للتشكيك فى نظام الميراث الإلهى، والدعوة لاستبداله بقوانين وضعية.
ما يحدث اليوم هو محاولة لتمرير قوانين تحت عباءة "العدالة الاجتماعية"، بهدف تذويب الفارق بين الشرع والدين وما تفرضه الثقافة الغربية، دون اعتبار للفروقات الجوهرية. فالأسرة الغربية، رغم كل تشريعات "المساواة"، لم تسلم من التفكك والانهيار في مجتمع يعانى تراجع أخلاقى.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة