رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

الهجوم الذي شنته اوكرانيا مستخدمة المسيرات لقواعد عسكرية استهدفت عمق سيبريا يحتاج اعادة قراءة للموقف علي ارض الواقع لانه تحول مفاجئ ، يعيد تشكيل مسار هذه الحرب في توقيت كنا ننتظر فيه ابرام معاهدة سلام ووقف الحرب بين روسيا واوكرانيا برعاية ترامب ، بل تزامن هذا الهجوم مع محادثات روسية اوكرانية في تركيا .. الضربة موجعة بل انها وصفت بأنها الأكثر جرأة وبعدا جغرافيا منذ اندلاع الصراع. هذا الهجوم، الذي طال منشآت عسكرية مرتبطة بالثالوث النووي الروسي، قاذفاتها النووية المحمية بمعاهدة ستارت.. استهداف أصول استراتيجية منصوص على حمايتها بموجب معاهدات دولية والذي يعتبر كسر لقواعد اللعبة النووية، لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل رسالة استراتيجية كشفت عن ثغرات في الدفاعات الروسية، ووضعت الكرملين أمام تحد صياغة رد يحفظ هيبته دون دفع المنطقة نحو تصعيد كارثي. وسط شكوك حول الدور الغربي، خاصة من أمريكا وبريطانيا، وتوقعات برد روسي حاسم، ولابد من التوقف كثيرا امام أبعاد الهجوم، والردود المحتملة، وتداعياتها على المشهد العالمي.

لا ننكر أن الهجوم لم يكن مجرد عملية تكتيكية، بل تحديا استراتيجيا هز أسس الردع الروسي، وكشف عن ثغرات في دفاعاته، وهنا لابد من النظر بعمق لأبعاد الهجوم الأوكراني وتكتيك وتكنولوجيا العملية واختيار البعد المكاني للتنفيذ، اولا نفذت أوكرانيا الهجوم بشكل مبتكر باستخدام طائرات مسيرة انطلقت من داخل الأراضي الروسية، متجاوزة الدفاعات الجوية المتمركزة حول الحدود وموسكو. استهدفت العملية مطارات عسكرية ومنشآت تردد انها مرتبطة بالثالوث النووي، محققة خسائر قدرتها كييف بأكثر من 7 مليارات دولار، شملت تدمير أكثر من 40 طائرة عسكرية. تزامن الهجوم مع تفجيرات استهدفت بنى تحتية حيوية، مثل الجسور وسكك الحديد في منطقتي بريانسك وكورسك، مخلفة 7 قتلى وعشرات الجرحى. هذه الضربات، التي وصفتها مصادر أوكرانية بأنها واسعة النطاق، عكست تخطيطا معقدا وتكنولوجيا متقدمة، أثارت تساؤلات حول مدى الدعم الخارجي الذي تلقته كييف.

فمن الناحية العسكرية، كشف الهجوم عن نقاط ضعف في الدفاعات الروسية، خاصة في سيبيريا، التي لم تكن مستعدة لضربات داخلية بعمق 4000 كيلومتر. استخدام الطائرات المسيرة، التي أصبحت سلاحا محوريا في الحروب الحديثة، مكن أوكرانيا من تحقيق مفاجأة استراتيجية، مستغلة تركيز روسيا على الجبهات الغربية. هذا الاختراق يعكس تحولا في قواعد الاشتباك، حيث باتت التكنولوجيا الرخيصة نسبيا قادرة على تحدي قوة عسكرية تقليدية ، وهذا كان واضحا في تغيير مسار عدد من الحروب التي حدثت خلال الفترات الماضية واستخدمت فيها الطائرات المسيرة وقلبت موازين الحرب مثلا استخدمت الطائرات المسيرة، وخاصة طائرات Bayraktar TB2، في عدة حروب، وأثرت بشكل كبير على مسار المعارك، بما في ذلك حروب ناغورنو كاراباخ، وليبيا، وسوريا، وأوكرانيا.

في هذه الحروب، تمكنت الطائرات المسيرة من تحقيق نتائج هامة، مثل تدمير الأسلحة الثقيلة، والقوات البرية، ونقل القوات.بل انها غيرت موازين هذه الحروب وأظن استخدمتها اثيوبيا ضد التيغراي الذين كانوا زاحفين علي اديس بابا وغارات جوية استهدفت منطقة تيغراي في شمالي إثيوبيا.. اذن هذا الهجوم اكد ان الطائرات المسيرة قادرة علي تغيير موازين الحروب ..

في اعقاب اعلان ترامب عن لعب دور في الحرب الروسية الاوكرانية وتحييد اوروبا وكان لرد فعل الغرب حسابات جديدة وفي هذا الهجوم كل شيئ محتمل والدور الغربي اكيد لعب دورا ليس جديدا ولكن أكثر قوة ودعما لاوكرانيا ومن هذا المنطلق لابد من اعادة النظر للدور ووضع أمريكا وبريطانيا تحت المجهر وفق معطيات فرضها الهجوم الاوكراني علي روسيا .. حيث تثير طبيعة الهجوم شكوكا حول تورط الغرب، خاصة أمريكا وبريطانيا. فالعملية التي استلزمت معلومات استخباراتية دقيقة، مثل صور أقمار صناعية، وتخطيطا متطورا، تتجاوز القدرات الأوكرانية المستقلة. وهذا ما اشارت له تقارير أولية، مثل تلك التي نشرها موقع "أكسيوس" قبل سحبها، أشارت إلى إمكانية إبلاغ كييف لواشنطن مسبقا، مما يوحي بقنوات تنسيق خلفية قد تكون مستمرة رغم السعي الامريكي لاحلال السلام بين اوكرانيا وروسيا ، هذه القنوات لم يتوقف عملها حتي الان ، ولم لابد ان ندرك ان الحرب الاكرانية الروسية قائمة اصلا علي اضعاف روسيا ، وهذا ما سعت اليه امريكا بايدن واوروبا ، خاصة وان اوكرانيا اعلنت ان العملية تم التخطيط لها منذ اكثر من 18 شهرا ، بالاضافة الي تصريح وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الذي أبدى استعداد بلاده لمواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا إذا اقتضت الحاجة، مما عزز هذه الشكوك، وتحول في النبرة الغربية من الدعم غير المباشر، ونلاحظ ان هذا خطاب تصعيدي في الموقف الانجليزي والمعبر عن اوروبا، ويجب الا ننسي ان هذا الدعم الاوروبي كان واضحا جدا في اعقاب ما سعي اليه ترامب من عمل منفرد لوقف الحرب بين روسيا واوكرانيا ، ومن هنا نستطيع ان نقول ان الدعم الغربي لاوكرانيا صار اقوي ، والدعم الغربي شمل أسلحة متطورة، تدريبا، ومعلومات استخباراتية، كان حاسما في تمكين أوكرانيا من تنفيذ هجوم بهذا الحجم. ومع ذلك، التزام واشنطن بالصمت النسبي يعكس رغبة في تجنب التصعيد المباشر، مع استمرار تقديم دعم غير معلن قد يشمل تكنولوجيا الدرونات أو بيانات استخباراتية. هذا الدعم يجعل الصراع يتخذ طابع حرب بالوكالة، حيث يواجه الغرب روسيا عبر أوكرانيا، مما يزيد من تعقيدات الرد الروسي.

حتما سنري الرد الروسي المحتمل وبالفعل بدأ ولكن دون الاخلال بتوازن القوة والحذر ، فرد الكرملين الأولي كان حذرا، مع الإقرار بالهجمات واعتقال مشتبه بهم، لكنه يعكس استراتيجية تهدف إلى امتصاص الصدمة دون تصعيد فوري. ومع ذلك، فإن الضغط الداخلي من الشارع الروسي، وتهديد هيبة موسكو، يجعل الرد حتميا. يمكن توقع الرد الروسي عبر عدة سيناريوهات منها ..

أولا : تصعيد عسكري محدود " مستخدمة استراتيجية التصعيد المحدود" يستهدف بنى تحتية عسكرية أوكرانية، مثل مراكز قيادة أو مستودعات أسلحة، باستخدام صواريخ دقيقة أو ضربات جوية بل وقامت موسكو باستخدام صورايخ باليستيه جديدة "فرط صوتية" القصف الذي طال مدينة دنيبرو، مما يعتبر تصعيد عسكري روسي يستهدف أوكرانيا.. يثير القلق يأتي ذلك في إطار محاولة موسكو إظهار تفوقها العسكري دون الدخول في حرب شاملة، وفقاً لتحليلات استراتيجية ، مما يسمح لروسيا بإظهار قوتها دون الانزلاق إلى حرب شاملة ، وهذا التطور في الرد الروسي اعتبره زيلينسكي تصعيد خطير وطالب المجتمع الدولي بالتدخل كما دعا الي ادانة عالمية قوية.

ثانيا، تعزيز العمليات في المناطق الحدودية، مثل خاركيف وأوديسا، لإنشاء منطقة عازلة تمنع تكرار هجمات مماثلة، بما يتماشى مع مطالب موسكو السابقة بمنطقة منزوعة السلاح ، وايضا عمليات مراقبة كاملة لكل المنشأت العسكرية الروسية وحمايتها حتي لا يتكرر ما حدث من استهداف اوكراني للمواقع العسكرية الروسية.

ثالثا، استهداف غير مباشر لقنوات الدعم الغربي، مثل ضرب خطوط إمداد الأسلحة داخل أوكرانيا، أو تنفيذ هجمات سيبرانية على بنى تحتية غربية كتحذير.

رابعا، تصعيد اقتصادي أو دبلوماسي، مثل قطع إمدادات الغاز إلى أوروبا أو فرض عقوبات على دول داعمة لأوكرانيا، للضغط على الغرب لتخفيف دعمه.

ولابد ان ندرك ان الخيار النووي ورقة أخيرة مستبعدة لكنها ليست مستحيلة في ظل التصعيد الحادث علي الساحة وبعد استهداف اوكرانيا للثالوث النووي الروسي ،حيث يبقى الرد النووي خياراً بعيداً عن حسابات موسكو، حيث لا يرتقي الهجوم الأوكراني إلى مستوى يُبرر تفعيل العقيدة النووية الروسية، التي تضع استخدام الأسلحة الذرية كحل أخير في حالات التهديد الوجودي ، لكن هذا الاستبعاد لا يعني استحالة اللجوء إليه مستقبلاً، خاصة مع استمرار الدعم الغربي غير المحدود لأوكرانيا، والذي قد يدفع الكرملين نحو تبني استراتيجيات أكثر عدوانية إذا ما شعر بأن أمنه القومي أو سيادته على أراضيه باتت على المحك ، وهذا التوازن الدقيق بين الاحتواء والتصعيد يجعل من الخيار النووي كابوساً لا يرغب أحد في مواجهته، لكنه يظل ورقة في حوزة بوتين، جاهزة للاستخدام فقط إذا تجاوز الصراع كل الخطوط الحمراء.

هناك كثير من التداعيات العالمية التي ستترتب علي كل هذا اهمها أزمات اقتصادية وتوترات جيوسياسية فالهجوم الأوكراني أثر بشكل عميق على المشهد العالمي وعلي صورة موسكو وبوتين وله اثره الاقتصادي ، وهذا ما رأيناه في الاسواق العالمية منذ بداية الحرب وحتي الان حيث ساهم الصراع في اضطرابات في أسواق الطاقة والغذاء، مع ارتفاع أسعار القمح والغاز الطبيعي نتيجة انقطاع سلاسل الإمداد من روسيا وأوكرانيا، المساهمتين بنسبة كبيرة في الصادرات العالمية. هذه الأزمات زادت الضغوط التضخمية على الدول النامية، وفاقمت أزمات المالية العامة في العديد من الاقتصادات وسوف تستمر الي ان تضع الحرب اوزارها.

والهجوم الاوكراني علي روسيا ستكون له تبعات سياسية، منها زيادة حدة الانقسامات بين الغرب وروسيا، مقتربا من طابع حرب بالوكالة. تصريحات بريطانيا التصعيدية تشير إلى استعداد لمواجهة أكثر مباشرة، بينما تحافظ أمريكا على نهج أكثر حذرا لتجنب الصدام المباشر. مفاوضات إسطنبول الروسية الاوكرانية ، تهدف إلى احتواء التصعيد، لكن مطالب روسيا بعدم توسع الناتو شرقا وإقامة منطقة عازلة تجعل التوصل إلى اتفاق صعبا. الهجوم الأخير قد يدفع موسكو للتمسك بموقفها، وربما التصعيد لتأمين مصالحها الجغرافية.

أخيرا
في المحصلة، يمثل الهجوم الأوكراني علي قواعد عسكرية روسية مهمة وتمثل الثالوث النووي الروسي نقطة تحول في الحرب، كاشفا عن قدرات تكتيكية متقدمة وثغرات في الدفاعات الروسية. الدور الغربي، خاصة من أمريكا وبريطانيا، يبدو حاسما في تمكين هذه العملية عبر دعم استخباراتي ولوجستي. الرد الروسي، الذي سيجمع بين الحذر والقوة، سيحدد مسار الصراع، بينما يظل العالم على حافة الترقب، مع مخاطر تصعيد قد تعيد تشكيل النظام العالمي او تؤدي الي هلاكه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة