رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قومية "دونغ".. قرية الصين التي تقاوم الفقر بالعمل والابتسامات"

هناك في كل بلاد العالم أحياء عشوائية وقرى نائية، وطبقات فقيرة تكافح لتأمين لقمة العيش. . لكن في قرية "دونغ" الجبلية، الواقعة في مقاطعة "قويتشو" جنوب الصين، وجدت قرية فقيرة لا تشبه الفقر الذي اعتدناه. ...هنا لا تقاس الثروة بما في الجيوب بل بما في العقول، وبالقيم المتجذرة في السلوك اليومي..

من خلال تجربتي الشخصية مع قومية "دونغ"، إحدى القوميات الصينية في قلب قويتشو، لمست جانبا آخر من سياسة الصين في مكافحة الفقر أن يكون الشعب نفسه هو المقاوم الأول، من خلال عمله الدؤوب، ونظامه، واحترامه للآخر، وتمسكه العميق بأخلاقه وتراثه.

الفقر لا يلغى بالمساعدات فقط... بل بالوعي

في مدخل القرية، لا تصدمك مظاهر البؤس، بل يدهشك التنظيم. البيوت متواضعة، لكنها نظيفة ومرتبة. الأطفال يذهبون إلى المدرسة بزي موحد و بعيون لامعة بالعزم. كبار السن يجلسون في الظل يعملون على إعادة تدوير أدوات منزلية قديمة. .لا أحد يتكاسل، لا أحد يشكو.

العمل عبادة... وثقافة

كل فرد هنا يؤدي دورًا واضحًا. النساء يعملن في الحقول أو المشاغل الصغيرة، الرجال في مشاريع حرفية أو صيانة والشباب يدرسون الأطفال أو يساعدون في مشاريع البنية التحتية. لا توجد بطالة هنا، رغم قلة الموارد. لأن الفكرة الأساسية التي تعلمتها من أهل هذه القرية هى: "لا تنتظر الدولة، بل كن أنت الدولة.

الضيافة عنوانهم

رغم فقرهم، استقبلوني كضيفة شرف أعدوا لي طبقًا محليًا بسيطًا لكنه شهي، وقدموا لي كوب شاي أخضر من مزارعهم. أحد الأطفال أهداني رسمة صنعها لي وقال لي "ابتسمي كثيرًا... نحن نحب من يبتسم".

حفلة لا تنسى حين رقصت الدبكة في قرية دونغ

مع غروب الشمس، دعينا إلى ساحة القرية لحضور حفلة تقليدية. النساء ارتدين أزياءهم المطرزة، والرجال اصطفوا بالعزف على آلات موسيقية مصنوعة يدويًا. بدأت الأغنية القومية لشعب دونغ بألحانها التي تشبه خرير الجداول. ثم حدث ما لم أتوقعه شغلنا موسيقى الدبكة... وشاركوا فيها معنا رقصنا، ضحكنا، وصرنا نشبه فرقة واحدة من قلبين مختلفين.

في تلك اللحظة، فهمت المعنى العميق لمصطلح "التبادل الثقافي". ليس مجرد تعريف أكاديمي، بل فعل إنساني يحمل بين أنغامه وفنونه قدرة لا توصف على تقريب البشر.

روح جماعية لا تهزم

في هذه القرية، كل شيء ينجز بالتعاون. لا قرارات فردية، بل اجتماعات دورية يتشاور فيها الكبار والصغار. إن سقط بيت أعادوه جميعًا. إن مرض أحدهم، تناوب الجميع على خدمته.

التراث قوة ناعمة

ما لفتني أكثر هو اعتزازهم بتراثهم المحلي من الزخارف اليدوية، إلى الأغاني الشعبية، إلى اللباس التقليدي الذي ما زالوا يرتدونه في المناسبات. لم يسمحوا للفقر أن يمحو ذاكرتهم الثقافية، بل جعلوها سلاحًا ناعمًا لمقاومته.

من هذه القرية الصينية، عدت وأنا أعيد تعريف الفقر في ذهني. ليس الفقر أن تملك القليل، بل أن تفتقد الحافز والهوية والروح الجماعية.

الفقر الحقيقي هو فقر العقول من الثقافة والتراث، لا فقر الجيوب من المال. وفي قرية "دونغ"، فهمت أن مقاومة الفقر ليست شعارًا، بل سلوكًا جماعيًا، يبدأ من أصغر طفل... ويكبر مع كل مساعدة وابتسامة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة