تعد اللُحمة الوطنية ركيزة جوهرية في بناء مناعة الدولة وممارسة المرونة المجتمعية، وتشكل نسيجًا متماسكًا من القيم المشتركة والانتماء العميق المتبادل بين الشعب ومؤسساته، وتمثل هذه الروابط منظومة متكاملة تغذيها الثقة والإيمان بوحدة المصير، وتنعكس آثارها في قدرة المجتمع على التماسك أمام التحديات، وصد محاولات الاختراق، والتصدي لحملات التشويش والشائعات، ومن خلال ترسيخ الوعي الجمعي وتنمية الشعور بالمسؤولية تتكون جبهة داخلية قادرة على حماية الوطن وصون استقراره، والدفاع عن سيادته في مواجهة ما يهدد أمنه ووحدته، سواء من الداخل أو الخارج، فاللُحمة الوطنية تجسيد حي للتكافل الاجتماعي، والعدالة، والاحترام المتبادل، والعمل المشترك من أجل رفعة الوطن وازدهاره.
وتتعدي التحديات التي تواجهها الأوطان الجوانب الأمنية أو الاقتصادية، إلى ما هو أخطر وأعمق من ذلك متمثلًا في محاولات ممنهجة للتأثير على الرأي العام وصناعة الانقسام ونشر الشائعات وبث الفتن، بهدف تقويض الثقة وزعزعة الاستقرار الداخلي، كما تنشط أجندات خارجية وقوى داخلية توظف أدوات الحرب الناعمة، التي باتت أكثر فاعلية وخطورة من أدوات الصراع التقليدي، كالإعلام الموجه والمضلل والتكنولوجيا الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي فهم ساحات مفتوحة تستغل لترويج خطاب التشكيك، وإثارة البلبلة وتأجيج الخلافات، وصنع فجوة بين المواطن والدولة واستهداف العقل والجغرافيا، والهوية والانتماء والسيادة.
وتبرز اللُحمة الوطنية بوصفها الدرع الحصين في وجه التفكك والانقسام؛ حيث تتجلى في التماسك الاجتماعي والتضامن الشعبي والولاء المسؤول والثقة الراسخة في القيادة السياسية الحكيمة، والوعي الجمعي القادر على التمييز بين الغث والسمين، ومقاومة حملات التشويه والتشكيك، عبر إدراك عميق لطبيعة الدولة، وأدوارها ومسؤولياتها، وتعقيدات الواقع الإقليمي والدولي، وتتداخل اللُحمة الوطنية مع الهوية بوصفها البوصلة التي تحفظ الانتماء، وتعمق الإحساس بعظمة التاريخ وعمق الثقافة، وتربط المواطن بأرضه وقيمه، وحصنًا منيعًا للأمن الثقافي؛ لصون الخصوصية الحضارية للأمة من محاولات التذويب أو التغريب، والحفاظ على توازنها القيمي في ظل عولمة جارفة.
وتُمثل الشائعات بما تمتلكه من قدرة على الانتشار السريع والتأثير النفسي، واحدة من أخطر وأسرع أدوات الهدم المعنوي وتفكيك البنية الوجدانية للمجتمع، لاسيما في المجتمعات المفتوحة والمتصلة رقميًا، فتنتقل الأخبار بسرعة تفوق التحقق وتختلط الحقائق بالأوهام، وهنا تكمن خطورة التعاطي السلبي مع الأخبار المجهولة أو المضللة، حيث يُسهم تداولها دون التثبت من صحتها من المصادر الرئيسة والرسمية للدولة في إيجاد حالة من القلق والتوجس ويضعف روح المبادرة والثقة تجاه الدولة ومؤسساتها، مما قد يفتح الباب أمام التيارات الهدامة والجهات المغرضة، لأضعاف مناعة الدولة في إدارة الأزمات ومواجهة التهديدات، ومن ثم تتعاظم مسؤولية المواطن الواعي لممارسة رقابة عقلية وأخلاقية على ما يتلقاه وينقله والتثبّت من الأخبار ومقاومة الشائعات والتفاعل الإيجابي مع القنوات الرسمية، وهذا يُعد سلوكًا رشيدًا وتجل أصيل من تجليات المواطنة الحقيقية.
وتُبنى اللُحمة الوطنية في سياقٍ مجتمعي تفاعلي وعبر ترسيخ ثقافة المشاركة والتكافل والعدالة في توزيع الفرص والمسؤوليات، وهذا ثمرة شعور المواطن بأن له مكانًا وصوتًا ودورًا فاعلًا في صياغة الحاضر والمساهمة في بناء المستقبل، ومن ثم تصبح الثقة المتبادلة بين الشعب والدولة أساسًا لا غنى عنه لتعزيز التماسك الوطني، وإشاعة روح الانتماء الصادق والمسؤولية المشتركة، ومن أجل ترسيخ هذه القيم في الوعي المجتمعي.
ولابد أن تتكامل أدوار المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية والثقافية، بوصفها روافد رئيسة في تشكيل الوجدان على القيم وصقل العقول وشحذها وتوجيه السلوك، والاهتمام بالتعليم النقدي وتنمية حس المسؤولية، وتُرسخ روح المواطنة، وفتح الأفق أمام الحوار والنقد والانفتاح الواعي، بما يُسهم في بناء مواطن متجذر الهوية وراسخ القيم ومؤمن بقدسية الوطن؛ حيث أن هذه المؤسسات مطالَبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بغرس قيم المواطنة وترسيخ الهوية، ومواجهة النزعات الفردية الضيقة، وتفكيك الخطابات الإقصائية، وتحصين العقل الجمعي من محاولات التزييف والاختراق والتشويش الذي تمارسه بعض الأدوات الناعمة التي تستهدف ضرب الانسجام المجتمعي من الداخل.
وما يميز اللُحمة الوطنية الحقيقية قدرتها على تجاوز الخلافات الثانوية لصالح القضايا الكبرى والمصالح العليا، ويتجلى ذلك في الوعي بأن الاختلاف والتنوع مصدر إثراء وغنى حضاري مما يتيح مساحات واسعة للحوار والتفاهم، في ظل الاختلاف المشروع الذي يعكس حيوية المجتمع، وثراءه الفكري، ومرونته في المواجهة خاصة في لحظات الشدة فالشعب الممتلك للوعي والبصيرة يصبح سد منيع لا يُخترق وكتلة صلبة قادرة على إفشال مخططات التشتيت والتشكيك، وإعادة توجيه البوصلة نحو الأولويات الوطنية، بعيدًا عن الاستقطابات الضيقة والانفعالات المؤقتة، فالوطن يُصان بالوعي، والمشاركة، والعمل المشترك.
وتعد اللحمة الوطنية السياج الأخلاقي والدرع المعنوي الذي يحفظ الوطن من التآكل الداخلي والانقسام، ويعزّز قدرته على الصمود والتكيف، ويؤسس لاستقرار راسخ مستدام قوامه الوعي العميق والانتماء المسؤول والتنوع المتناغم في إطار الوحدة الوطنية، وكلما ترسخت هذه اللحمة في الوجدان والسلوك، قويت مناعة الدولة، وتوطد السلم الاجتماعي، وتضاعفت قدرة الوطن على التصدي للتحديات، أياً كان شكلها أو مصدرها، مما يضمن عبورًا آمنًا نحو المستقبل رغم التقلبات وتعاظم التهديدات.
ونؤكد أن الحفاظ على هذه اللحمة ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل واجب وطني جماعي يتطلب وعيًا متجددًا، واصطفافًا واعيًا خلف القيادة السياسية والمؤسسات، وإدراكًا ناضجًا لحجم المخاطر التي تُحاك في الظل، فالمواطنة الحقيقية تُبنى على الوعي النقدي، والمسؤولية الأخلاقية، والإيمان العميق بأن قوة الأوطان لا تُقاس فقط بالموارد أو القدرات، بل بتماسك نسيجها الداخلي، ووحدة جبهتها الوطنية، وصدق أبنائها في الانتماء والبذل والبناء والذود عن الوطن ووضع مصلحته وسيادته فوق كل اعتبار.
بقلم
أ.د/ مها عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر