رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

سعدت كثيرًا بكلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة العربية الرابعة والثلاثين التي عُقدت في بغداد يوم 17 مايو 2025، كل حرف فيها تمت صياغته بعناية وتحقق الهدف منها، كلمة قوية ومباشرة عبرت بصدق ووضوح عن الموقف المصري وعن نبض كل مواطن عربي كان الرئيس واضحًا ودقيقًا وحادًا في خطابه، معبرًا عن إرادة مصر وشعبها في المضي قدمًا في الدفاع عن القضية الفلسطينية ورؤيتها للقادم باستقراء المستقبل أمام ممثلي الدول العربية وأمام العالم أجمع، حيث أكد الرئيس أن السلام "سيظل بعيد المنال... ما لم تقم دولة فلسطينية"، مشددًا على أن "حتى لو نجحت إسرائيل في إبرام اتفاقيات تطبيع مع جميع الدول العربية، فإن السلام الدائم والعادل والشامل في الشرق الأوسط سيظل بعيد المنال، ما لم تقم الدولة الفلسطينية، وفق قرارات الشرعية الدولية" وهناك فرق كبير بين التطبيع بدون مقابل والسلام .. الفرق شاسع ، كلمة الرئيس كانت رسالة حاسمة عكست التزام مصر الراسخ بالعدالة والحق الفلسطيني، وتؤكد علي دور مصر كصوت قائد في الدفاع عن القضايا العربية بحنكة دبلوماسية ودعم دائم وموقف إنساني صلب قوي في خضم التحديات الإقليمية والدولية التي تهز المنطقة العربية، مصر قوة محورية تسعى بثبات لتعزيز الاستقرار والسلام، مستندة إلى إرثها الدبلوماسي العريق.. خطاب الرئيس السيسي لم يكن مجرد كلمات عابرة، بل رسالة مدروسة بعناية حملت رؤية متماسكة لمواجهة الأزمات، خاصة القضية الفلسطينية وإعادة إعمار غزة، كلمة جمعت بين القوة والحكمة والالتزام بالمبادئ الإنسانية فهل يستجيب العالم لهذه الرسالة ؟.

مصر لم تبتعد يوما عن صميم القضايا العربية بفضل تاريخها العريق في قيادة العمل العربي المشترك، ففي قمة بغداد، أثبتت أنها ليست مجرد مشارك بل صانعة حلول توجه النقاشات نحو نتائج بناءة عبر عنها الرئيس السيسي بقوة ، وموقف مصر الثابت تجاه القضية الفلسطينية، واصفًا إياها بأنها تمر بمرحلة خطيرة، حيث يواجه الشعب الفلسطيني جرائم ممنهجة تهدف إلى ابادته ومحوه وإنهاء وجوده في غزة فهذا لم يكن مجرد إدانة فقط، بل دعوة صريحة للمجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته إزاء هذه الأزمة الإنسانية والسياسية التي يغض العالم الطرف عنها.

كلمة الرئيس وبراعته السياسية تجلت في مخاطبته للعالم بلغة توازن بين الواقعية والمثالية حيث أشار إلى أن الحرب الإسرائيلية دمرت كل شيء ولم ترحم أحدًا، مستخدمة الابادة والتدمير والتجويع والحرمان من الخدمات الصحية كأسلحة لكنه لم يكتف بالتنديد، بل قدم رؤية عملية تطالب بوقف فوري لإطلاق النار تمهيدًا لعملية سياسية جادة تؤدي إلى دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هذا الموقف يعكس تمسك مصر بالشرعية الدولية والحلول السلمية التي تحمي حقوق الفلسطينيين دون الانجرار إلى صراعات عسكرية أو خطابات تحريضية.

من أبرز سمات الدبلوماسية المصرية في قمة بغداد رفضها القاطع للتهجير القسري للفلسطينيين وهذا ما أكده الرئيس السيسي علي أن محاولات فرض واقع جديد عبر التهجير أو تصفية القضية الفلسطينية لن تجلب السلام، بل ستؤجج التوتر والصراع ، هذا الموقف المتجذر في سياسة مصر التاريخية، جاء في لحظة حاسمة وسط ضغوط غير مسبوقة على الفلسطينيين عبر التدمير الممنهج لغزة وحصار سكانها، أظهرت مصر قوتها الدبلوماسية بالتمسك برفض التهجير، مع تقديم حلول عملية كخطة إعادة إعمار غزة التي أُقرت في قمة القاهرة غير العادية في 4 مارس 2025 ، فخطة إعادة إعمار غزة، التي حظيت بتأييد عربي وإسلامي ودولي، تبرز الرؤية الشاملة للدبلوماسية المصرية لا تقتصر على إصلاح البنية التحتية، بل تشمل مراحل زمنية للإغاثة الإنسانية، وتوفير الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والرعاية الصحية، وبناء مساكن، مع التأكيد على بقاء الفلسطينيين في أراضيهم كجزء أساسي من الحل، هذا النهج يؤكد أن مصر لا تكتفي بالرفض اللفظي لسياسات الاحتلال، بل تقدم حلولاً ملموسة تدعم صمود الفلسطينيين وحقوقهم، أعلن الرئيس السيسي عن نية مصر تنظيم مؤتمر دولي للتعافي المبكر وإعادة إعمار غزة فور توقف العدوان، خطوة تعكس التزامًا إنسانيًا وسياسيًا يتجاوز الخطابات إلى العمل الملموس.

رسالة الرئيس السيسي لم تقتصر على القادة العرب أو الأطراف الإقليمية، بل وجهها إلى القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة حيث دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بصفته قائدًا يسعى للسلام، للعمل على وقف إطلاق النار في غزة وتيسير عملية سياسية لتسوية نهائية استندت هذه الدعوة إلى نجاح الوساطة الأمريكية في اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل في السبعينيات، مما يبرز قدرة السيسي على ربط الحاضر بالتجارب التاريخية الناجحة لتعزيز مصداقية رسالته التي لم تقتصر دبلوماسية مصر على القضية الفلسطينية، بل شملت دعم استقرار دول عربية أخرى كالسودان وسوريا وليبيا واليمن والصومال، فأشار الرئيس السيسي إلى أن التحديات التي تواجه الأمة العربية تتطلب وحدة الصف والعمل المشترك، مبرزًا إدراك مصر لتشابك الأزمات وضرورة معالجتها برؤية تجمع بين الأمن والتنمية والسلام ، كما دعا إلى تعزيز التضامن العربي والتنسيق، مؤكدًا أن استقرار الدول العربية أساس للتنمية والازدهار.

لم تتغيب مصر يومًا عن القمم العربية، بل ظلت ركيزة أساسية في جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945 لم تسجل أي رفض رسمي للمشاركة، بل كانت دائمًا رائدة في استضافة وتنظيم القمم، كقمة القاهرة غير العادية في مارس 2025 وقمة 1946 الأولى في تاريخ الجامعة هذا الحضور يعكس التزام مصر بدورها القيادي في توحيد المواقف العربية تجاه القضايا المصيرية وتتمني من الاخوة العرب اعضاء جامعة الدول العربية ان يكون لديهم الرغبة في توحيد الرؤي والمواقف..

كلمة الرئيس السيسي لم تكن موجهة للحاضرين للقمة فحسب، بل حملت رؤية للمستقبل، مؤكدًا أن الأجيال القادمة، فلسطينية كانت أو إسرائيلية، تستحق منطقة يسودها العدل والسلام هذه الرؤية بعيدة المدى تؤكد إيمان مصر بأن السلام الحقيقي يقوم على العدالة واحترام الحقوق، وليس على القوة العسكرية أو فرض الواقع لذا دعا إلى تجاوز آلام الماضي لبناء مستقبل يليق بشعوب المنطقة، دعوة تتطلب شجاعة سياسية وإرادة قوية، نأمل أن يستجيب لها العالم والولايات المتحدة .. فكلمة السيسي في بغداد: صوت يزلزل العالم.. فهل من مستمع؟

أخيرا

لقد جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة بغداد كصاعقة دوت في سماء السياسة الدولية.. رسالة مصرية واضحة لا تقبل اللبس، جمعت بين صلابة الموقف ومرونة الحلول. لم تكن مجرد خطاب عابر، بل إعلان مصري صريح أن زمن الصمت على الظلم قد ولى. بين مطرقة التصعيد الإسرائيلي وسندان محاولات فرض الأمر الواقع، وقف الرئيس السيسي كصخرة صلبة ترفض التهجير والتصفية، لكنه لم يكتف بالرفض.. بل قدّم البديل العملي: إعمار ما دمرته الحرب، وبناء ما حاول المحتل محوه. هذه هي عبقرية الدبلوماسية المصرية التي ترفع سيف الحق دون أن تتنازل عن غصن الزيتون. وبعد أن ألقى السيسي بكلمته التاريخية، أصبح العالم أمام اختبار حقيقي إما أن يستجيب لنداء العدل والسلام الحقيقي القائم على إقامة الدولة الفلسطينية، أو يواصل تغاضيه عن جرائم الاحتلال. أما مصر، فستظل كما كانت دائماً - حصن الأمة المنيع، وصوتها المدوي في المحافل الدولية، وقائد مسيرتها نحو الحرية والكرامة.

فكما وقفت مصر في الصف الأول لتحرير الأرض، ها هي اليوم تقف في المقدمة لتحرير الإرادة الدولية من عقدة الخوف والتبعية. الرسالة أُلقيت، الكرة الآن في ملعب العالم.. أما مصر، فستواصل مسيرتها بلا تردد، فهذه ليست مجرد كلمات .. بل صرخة مصرية تزلزل ضمير الإنسانية! كلمة الرئيس السيسي تضع العالم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن تتحمل الدول العربية والإسلامية والدولية مسؤوليتها كاملة تجاه القضية الفلسطينية، أو تواصل التخاذل الذي لن يولد سوى مزيد من الدماء والمعاناة. إنها دعوة ملحة للنظر إلى المستقبل بعيون تتجاوز الحسابات الضيقة، وتدرك أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بالعدل الكامل. فالقدس لن تنتظر، وفلسطين لن تنسى، والتاريخ سيسجل: من وقف مع الحق.. ومن خان الأمانة!

مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة