تعود إلى الذاكرة الوطنية تلك اللحظات المجيدة، لتحرير سيناء التي اختلطت فيها الدماء الذكية بالتراب المقدس، وتجلت فيها معاني التضحية والبطولة في أبهى صورها، ففي الخامس والعشرين من أبريل كل عام، سطرت صفحة جديدة في كتاب الكرامة المصرية، حين استعاد الشعب المصري سيادته الكاملة على أرض سيناء بعد سنوات من الاحتلال، لتصبح هذه الذكرى شاهدة على نضال طويل وإرادة صلبة لم تعرف الانكسار، وجاء هذا التحرير ثمرة تلاحم وطني شامل شارك فيه الجيش والشرطة والشعب، وكل من آمن بأن الأرض هي العرض، وأن الكرامة لا تُسترد إلا بالتضحيات.
وجدير بالذكر أن تحرير سيناء لم يكن مجرد انتصار عسكري، بل كان إعلانًا صريحًا عن قدرة الدولة المصرية على استرداد حقوقها بوسائل متعددة، بدءًا من البطولات الميدانية في حرب أكتوبر، مرورًا بالجولات الدبلوماسية المضنية، وصولًا إلى لحظة رفع العلم المصري خفاقًا فوق طابا، وكان ذلك الإنجاز لحظة فاصلة بين زمن الاحتلال وزمن السيادة الكاملة، لحظة استعيد فيها جزء من الجسد الوطني، ليعود إلى حضن الوطن الأم ويحمل معه وعدًا بالتنمية والبناء.
وحملت الدولة المصرية على عاتقها منذ التحرير مسؤولية إعادة إعمار سيناء، وتحويلها من أرض نكبة إلى أرض نهضة ولم يكن التحدي سهلاً فقد فرضت جغرافيا المكان وظروفه الأمنية والاقتصادية معادلة معقدة؛ لكنها لم تكن مستحيلة، فخلال العقود الماضية شهدت سيناء نهضة تنموية شاملة؛ حيث تحوّلت سيناء إلى ساحة لبذل الجهد التنموي، واستمرت الدولة في ضخ الاستثمارات وتعزيز المشروعات الكبرى التي تستهدف تحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي لهذه المنطقة الاستراتيجية، حتي أصبحت نموذجًا من نماذج للتقدم في المنطقة؛ لبناء مستقبل مستدام بالتوازي مع الحفاظ على الأمن في كل شبر من أراضيها.
وكان الجيش المصري العظيم الذي خاض معركة التحرير ببسالة شريكًا فاعلًا في معركة البناء، فلم يكتف بدوره في الدفاع عن الحدود، بل شارك في تنفيذ المشاريع القومية الكبرى، وقدم نموذجًا فريدًا في الجمع بين البندقية ومعول التعمير، ومن خلال جهوده المستمرة بات الأمن في سيناء أكثر رسوخًا والمشروعات التنموية أكثر اتساعًا، ليغدو مستقبل سيناء جزءًا من الحلم المصري الأوسع بالنهضة الشاملة.
وتمثل ذكرى تحرير سيناء رسالة قوية للعالم بالغة الوضوح مفادها أن مصر لا تقبل بأي شكل من الأشكال التفريط في أي جزء منها ولا تساوم على أرضها ولا تتنازل عن حقها، ولا تقبل المساس بسيادتها، وأنها قادرة على حماية حدودها والدفاع عن أمنها القومي بكل ما تملك من عزم وقوة، فسيناء ليست فقط قطعة أرض، بل رمز وطني خالد، ومحل إجماع شعبي لا يقبل التشكيك، لقد أثبتت مصر من خلال مواقفها التاريخية والسياسية والعسكرية والدبلوماسية، أنها دولة قوية ولديها من الإرادة ما يكفي لإفشال أي مخططات تستهدف وحدتها أو أمنها.
إن هذه الذكرى المجيدة لا تُستحضر لمجرد استعادة صور الماضي، بل لتكون حافزًا للمستقبل فالمعركة الآن هي معركة وعي وتنمية، تتطلب تضافر جهود الدولة والمواطن معًا، من أجل استكمال ما بدأه الأجداد، وضمان أن تظل سيناء أرضًا واعدة لا تعرف إلا الازدهار فالمواطن المصري الذي كان دومًا درع الوطن وسنده، يبقى عنصرًا محوريًا في معادلة الاستقرار، وكل ما تحقق من تنمية لم يكن ليكتمل لولا إصرار أهالي سيناء على التمسك بأرضهم والمساهمة في بنائها، فهي جزء من حلم الأمة المصرية بالنهضة والازدهار وأصبحت رمزاً من رموز النضال والبناء في آن واحد، وشاهداً على قدرة الشعب المصري على إعادة بناء ما دمرته الحروب، وتحقيق الأمن في قلب المنطقة.
ونؤكد مرة أخرى أن هذه الأرض الغالية بكل ما تحمله من رمزية تاريخية وأهمية استراتيجية، شاهدة على أن مصر حينما تعقد العزم لا تتراجع، وحينما تختار الطريق لا تحيد، وستبقي سيناء مصرية خالصة، كما كانت دومًا، وستظل القوات المسلحة المصرية الحارس الأمين على هذه الأرض، كما سيبقى الشعب المصري داعمًا لوطنه ومتشبثًا بحقوقه حريصًا على بناء مستقبله؛ لذا فذكرى تحرير سيناء هي دعوة سنوية للتأمل في ما تحقق، وتقدير التضحيات التي بذلت، والتجديد للعهد على مواصلة البناء والأكيد أنها ملحمة مستمرة من العطاء والصمود والعمل، ففي كل شبر من سيناء تترسخ معاني الوفاء للوطن، وفي كل مشروع يقام هناك، تكتب سطور جديدة في قصة وطن لا يكل عن الدفاع عن هويته، ولا يتوقف عن الحلم بغد أفضل.
بقلم
أ.د/ مها عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر