رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح

يعتبر عيد القيامة المجيد الذى يحتفل به المسيحيون فى مصر، أحد أهم الأعياد الدينية فى التقويم القبطى، ويمثل هذا العيد ذكرى قيام السيد المسيح، وهو عيد يحمل فى طياته رمزية الانتصار على الموت وبداية حياة جديدة.

ومما يميز هذا العيد فى مصر، أنه لا يقتصر على المسيحيين وحدهم، بل تأثيره والاحتفالات به إلى كل المصريين من مسلمين ومسيحيين على حد سواء، فى مشهد عظيم يعكس روح التعايش والتآلف المجتمعى المتأصل فى ثقافتنا المصرية، حيث يعرف الشعب المصرى على مدى تاريخه الطويل بأنه لا يمكن لأحد التفرقة بين أفراده، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين.. كيف لا، وهم عاشوا معاً أفراحهم وأتراحهم ومناسباتهم الدينية على حد سواء.

لذلك، لم أكن مستغرباً أبداً تلك الوحدة الوطنية الرائعة التى أصبحت مضرباً للأمثال فى العالم أجمع.. فهى سمة أساسية من سمات المجتمع المصرى ومفردة من مفردات خصوصية هذا الوطن وهذا الشعب العظيم.. ومن اللافت للنظر أن عيد القيامة المجيد يأتى دائماً فى اليوم السابق لاحتفالات المصريين بعيد شم النسيم، وهو عيد ذو جذور فرعونية يحتفل به جميع المصريين بلا تمييز دينى، ويتحول هذا التتابع الزمنى بين العيدين إلى مناسبة للاحتفال المشترك، حيث تخرج الأسر إلى الحدائق والمتنزهات لتناول الأطعمة التقليدية مثل الفسيخ والرنجة والبيض الملون، ويتشارك المسلمون والمسيحيون أجواء البهجة والمرح فى مشهد لا نراه إلا فى مصر، حيث تذوب الفوارق الدينية فى بوتقة واحدة من الوحدة والمحبة الخالصة.

وفى مثل هذه المناسبات الدينية المشتركة، دائماً ما يذهب فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر على رأس وفد من المشيخة للتهنئة، وكذا يفعل وزير الأوقاف والمفتى والقيادات الدينية.. يهنئون ويباركون ويشاركون قداسة البابا احتفاله بالعيد، وكذا يحدث فى عيدى الفطر والأضحى، حيث يذهب البابا على رأس وفد من الكنيسة للمشاركة والتهنئة والاحتفال، على اعتبار أن اخواتنا المسيحيين جزء أصيل من أمتنا ومكون أساسى فى مجتمعنا.

لذلك، لم يكن مستساغاً أبداً فى مثل هذه المناسبات طرح أسئلة سخيفة عن جواز تهنئة المسيحيين بعيدهم، وأن مروجى هذه الأسئلة يفتقدون لأبسط مقومات الفهم لما عليه المسلمون والمسيحيون فى مصر وهم يتشاركون فى كل شىء على مدى تاريخهم الطويل ولا يعرفون أبداً الفصل العنصرى أو الطائفى الذى نراه فى مجتمعات أخرى.

إن تبادل التهانى بين المسلمين والمسيحيين فى هذه المناسبات والأعياد، أكبر دليل على وحدة المشاعر ووحدة الفرحة والهدف، وهذا مرجعه فى المقام الأول إلى سماحة الدين وإلى خصوصية شعب مصر، التى تعتبر نبعاً للسماحة ونموذجاً فريداً للتعددية فى إطار الوحدة.

إن مظاهر احتفال المصريين بعيد القيامة المجيد، تؤكد حقيقة راسخة فى وجدان هذا الشعب، وهى أن التعددية الدينية لا تعنى أبداً الفرقة، بل هى مصدر غنى وقوة.. لقد اعتاد المصريون على مشاركة بعضهم البعض فى الأفراح والأعياد، بصرف النظر عن الانتماء الدينى، ما يعكس نموذجاً فريداً للتعايش السلمى والمجتمعى، ويأتى عيد القيامة كل عام ليجدد هذه الروح ويبعث برسالة سامية مفادها أن مصر ستبقى دوماً وطناً يجمع أبناءه على المحبة والإيمان والتسامح حتى فى أصعب الظروف، ولتبقى مصر عزيزة بمسلميها ومسيحييها.. وكل عام واخوتنا المسيحيين فى خير وأمن وأمان وسلام وحب ومودة.

>>>

<< وختاماً: قال تعالى: «لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَاٰرَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ».

صدق الله العظيم، سورة المائدة آية «82».

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة