هل تعود روح الجنوب العالمي لمواجهة جمارك الهيمنة؟
في هذا الشهر تستدعي الذاكرة السياسية والاقتصادية العالمية محطة فارقة في تاريخ الجنوب العالمي (مؤتمر باندونج)، الذي انعقد في إندونيسيا خلال الفترة من 18 إلى 24 أبريل 1955، بمشاركة 29 دولة إفريقية وآسيوية. والحقيقة أن هذا المؤتمر لم يكن مجرد اجتماع سياسي، بل كان إعلانًا جريئًا لاستقلال القرار الدولي عن الثنائية القطبية، ونقطة انطلاق لما سُمي لاحقًا بـحركة عدم الانحياز، حيث أطلق المجتمعون آنذاك "لا" مدوية لاستقطاب الحرب الباردة، و"نعم" قوية للاستقلال الوطني والاقتصادي، ولحق الشعوب في رسم طريقها بعيدًا عن الإملاءات الغربية والشرقية على حد سواء. كان بينهم الزعيم جمال عبد الناصر، نهرو، وسوكارنو.
اليوم، وبعد سبعين عامًا، ما زال إرث باندونج حيًا، يُلهم الجنوب العالمي في مواجهة أشكال جديدة من الهيمنة، هذه المرة اقتصادية الطابع، حيث تفرض التحولات الاقتصادية العالمية – خاصة مع عودة السياسات الحمائية الأمريكية وارتفاع الرسوم الجمركية المفروضة على الدول النامية مع بدايات عام 2025 ضرورة العودة إلى روح باندونج، ليس كحدث تاريخي، بل كخريطة طريق لتحصين اقتصادات الجنوب من الهيمنة الجديدة بصيغة اقتصادية، خاصة مع خلق موجة قلق اقتصادي في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وطرح السؤال القديم الجديد: هل نحتاج إلى "باندونج اقتصادي" جديد؟.
وحيث أننا بنظرة سريعة وهامة وعاجلة لم تكن مفاجأة للجميع، وجدنا أن الولايات المتحدة قد أعلنت مطلع العام الجاري ومع تولي ترامب الولاية الثانية بدء تنفيذ سياسات حمائية تستهدف منتجات الدول النامية، في إطار ما تسميه "استعادة القاعدة الصناعية الأمريكية". وتضمنت الإجراءات: فرض رسوم جمركية تتراوح بين 18% و 28% على المنتجات النسيجية من مصر وبنغلاديش وفيتنام. ورسوم بنسبة 35% على الأسمدة الزراعية والمواد الغذائية المُصنعة من دول مثل نيجيريا وكينيا وغانا، وقيود على الصادرات التكنولوجية الخفيفة (مثل الرقائق البسيطة والإلكترونيات الاستهلاكية) من دول مثل إندونيسيا والمكسيك.
وبالعودة إلى مصر ودورها، فقد لعبت مصر، بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، دورًا محوريًا في مؤتمر باندونج عام 1955، وأسهمت في صياغة مبادئه العشرة التي شملت: عدم الانحياز، احترام السيادة، التعاون الاقتصادي والثقافي، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام العدالة الدولية. لم يكن المؤتمر فقط منصة سياسية، بل نواة لفكر اقتصادي بديل، يدعو إلى تجارة عادلة وتضامن جنوب-جنوب، وبعد مرور عقود، ظل هذا النهج حاضرًا في السياسة الخارجية المصرية، التي سعت إلى الربط بين القارة الإفريقية والعالم العربي، وفتح آفاق التعاون مع القوى الصاعدة في آسيا وأمريكا اللاتينية.
فمصر، بحكم موقعها الجغرافي والسياسي وما تشهده من تطوير يشهد له الجميع في بنيتها التحتية وثقلها الدولي، تملك اليوم فرصة تاريخية للعب دور قيادي في بناء شراكات اقتصادية بين دول الجنوب، خاصة عبر عضويتها في الاتحاد الإفريقي ومجموعة الـ77 + الصين، وعلاقاتها المتوازنة مع الهند، الصين، روسيا، إلى جانب جهودها في التنمية المستدامة داخل إفريقيا، وقدرتها على تقديم نموذج للتكامل بين السيادة الاقتصادية والانفتاح المتوازن.
وهنا، يجب النظر إلى الرسوم الأمريكية الجديدة كأداة خطيرة في وجه الجنوب، فوفقا لمركز التجارة الدولية التابع للأمم المتحدة، فإن التجارة العالمية قد تنكمش بما يتراوح بين 3% و7%، وقد يتراجع الناتج المحلي الإجمالي العالمي 0.7%، وستكون الدول النامية هي الأكثر تضررا.
ولا تزال الأسواق العالمية تواجه اضطرابات رغم إعلان ترامب تعليق الرسوم الجمركية 90 يوما على عشرات الدول، في حين زادت الرسوم على الواردات الصينية مما رفعها فعليا إلى 145% عند أخذ الرسوم المفروضة سابقاً في الحسبان.
ورفعت الصين رسومها الجمركية على الولايات المتحدة، حيث قالت وزارة المالية الصينية إن بكين ستفرض رسوما جمركية بنسبة 125% على السلع الأمريكية، وذلك ارتفاعا من 84% التي أعلنت عنها في وقت سابق.
وقد رأت منظمة التجارة العالمية أن التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين قد تقلص تجارة السلع بين الاقتصادين بما يصل إلى 80%. وقال بيان للمنظمة إن تقسيم الاقتصاد العالمي إلى كتلتين بهذه الطريقة قد يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي العالمي على المدى الطويل 7% تقريبا.
وهكذا، وفي ظل هذه التحديات، يتأكد أن مواجهة العولمة الجائرة لا تأتي عبر الارتهان للاقتصاديات الكبرى، بل عبر تفعيل التكامل بين دول الجنوب، كما دعا إليه مؤتمر باندونج قبل سبعين عامًا، من خلال تعاون جنوب-جنوب... الوصية الباقية لباندونج والذى يشمل تفعيل منطقة التجارة الحرة الإفريقية، والتي يُقدر ناتجها الإجمالي بنحو 3.4 تريليون دولار، وتضم أكثر من 1.3 مليار نسمة، إضافة إلى إنشاء آليات تمويل وتبادل تجاري إقليمية بعيدًا عن هيمنة الدولار والنظم المصرفية الغربية، وكذا استثمار البنية التحتية الرقمية والطاقة المتجددة كنقاط انطلاق نحو اكتفاء اقتصادي متكامل. ومن الهام أيضاً العمل على دعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل عصب الاقتصادات النامية، خاصة في مصر والدول الإفريقية.
ولعلنا يجب أن ننظر نظرة مستقبلية للتعاون مع أبرز شركاء الجنوب في هذا المسار، ألا وهي جمهورية الصين الشعبية بنموذجها التنموي الناجع وكفاعل محوري في دعم الدول النامية، ليس فقط عبر التمويل، بل من خلال نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات في قطاعات البنية التحتية، الصحة، التعليم، والتحول الرقمي. فمن خلال مبادرة "الحزام والطريق"، التي تضم أكثر من 150 دولة، بما فيها معظم دول إفريقيا وآسيا، تترجم الصين عمليًا مبادئ باندونج إلى مشاريع حقيقية على الأرض.
الدرس الأهم الذى لا يجب أن ننساه من باندونج أن الاستقلال السياسي لا يكتمل دون الاستقلال الاقتصادي، واليوم، وفي ظل ما تفرضه مراكز القوة من شروط تجارية ظالمة، فإن إحياء مبادئ باندونج لم يعد رفاهية، بل ضرورة وجودية.
لم يكن باندونج يومًا تحالفًا ضد الغرب، بل كان دعوة لعالم متعدد الأقطاب، متوازن، يُنهي منطق الاستعلاء واحتكار القرار.
واليوم، يُعيد التاريخ طرح السؤال: هل نملك الجرأة، والإرادة، والمشروع... لبناء باندونج جديد؟!!
*مستشار اعلامي ووكيل الوزارة للهيئة العامة للاستعلامات سابقاً
[email protected]