رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

رمضان في مصر حاجة تانية، والعيد في مصر حاجة تانية والسر في التفاصيل السر في الشخصية المصرية. رمضان في مصر ليس مجرد شهر صيام، والعيد ليس مجرد يوم فرحة، بل هما تجسيد لروح شعب يحمل في قلبه تراثًا يمتد لآلاف السنين، وهوية تمزج بين الأصالة والقوة. لا يشبه رمضان والعيد في مصر أي مكان آخر في العالم؛ فمن فوانيس الاطفال في الشوارع إلى تكبيرات العيد التي تملأ الأفق، يعيش المصريون لحظات تمزج الروحانية بالترابط الإنساني.
هذا العام، أسعدني حظي أن أحتفل بالعيد في مسقط رأسي، مدينة أخميم بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، حيث صليت العيد على ضفاف النيل العظيم. ما أروع تلك اللحظة حين امتزجت نسمات الصباح الأولى بانعكاس أشعة الشمس على صفحة النيل، كأنها تهمس لنا: "كل عام ومصر وشعبها بخير". تلك الصورة لم تكن مجرد مشهد عابر، بل كانت استعادة لاحتفالات أجدادي القدماء التي نقشوها على جدران المعابد، وما زلنا نرثها بفخر. كعك العيد اصله مصري قديم توارثناه منذ اكثر من 5000 سنة توارثنا العادات والتقاليد والاحتفال علي صفحة النيل العظيم ، وهذا العام في اخميم صلينا العيد ونحن ننظر لرمز الحياة لمصر وللمصريين.
وفي أخميم، تلك المدينة التي تحمل عبق التاريخ وميريت امون ابنة رمسيس تقف شاهدة علي ذلك ودفء الأهل، كانت فرحتي مضاعفة بلقاء أصدقائي وأحبابي. التقيت بصديقي العزيز الحاج خيري أبو حبيل، ذلك الرجل الذي اراه خيرا يسير علي الارض يدرك للعطاء معناه وللخير مردوه ويعسي لهما بكل ما يملك من قوة ، وإخوتي الذين تربطني بهم ذكريات لا تُمحى. كانت لحظات اللقاء كالنور الذي يشع من الفوانيس في ليالي رمضان وروحانيات صلاة التراويح والتهجد وقراءة القرآن ، تلك اللحظات التي تملأ القلب دفئًا وأملًا. تبادلنا الضحكات واستعدنا حكايات الماضي ونحن نجلس علي كورنيش النيل الذي ابهرني الاهتمام به ، وكأن الزمن توقف ليشهد تلك الروابط التي لا يمكن لأي مسافة أو ظروف أن تقطعها. تلك السعادة لم تكن مجرد فرحة عابرة، بل كانت تعبيرًا عن قوة الانتماء لمسقط الرأس وللأهل، وكأن أخميم والنيل يحتضنانا جميعًا في حضنٍ لا يضاهيه شيء.
لكن هذا العيد لم يكن مجرد فرحة عابرة، بل تحول إلى صرخة مدوية تعكس عقيدة الشخصية المصرية التي لا تعرف الخضوع. ففي أعقاب صلاة عيد الفطر المبارك ، خرج المصريون في مظاهرات حاشدة لم تقتصر على الشوارع الداخلية "لكنني فوجئت أنها تحولت إلى صرخة عارمة هبت في كل أرجاء مصر عقب صلاة العيد، حيث تناقلتها كاميرات هواتف المصريين بفخر واعتزاز، وتداولتها وسائل التواصل الاجتماعي فرحةً بها، كما نقلتها وسائل الإعلام والشاشات ووكالات الأنباء، مستمدةً من منصات التواصل الاجتماعي وعبر كاميرات القنوات التي كانت تبث شعائر صلاة العيد."هذه الصرخة ذكرتني بخروج المصريين إلى الحدود المصرية في رفح على حدود فلسطين المحتلة في اعقاب قرار ترامب تهجير اخواننا الفلسطينين الي سيناء والي الاردن منذ عدة شهور ، خروجهم كان رسالة للعالم كله وللكيان المحتل ليقولوا له فلسطين عربية ولا للاحتلال ولا للابادة ولا للترحيل وللتهجير القسري ، واليوم المشهد يتكرر المشهد والرفض في مظاهرة تفويض للرئيس السيسي ممثلا للقيادة السياسية وقائد مصر لكي يستمر في رفض هذه القرارات الظالمة والتهجير القسري والابادة الجماعية التي قتلت معها حقوق الانسان وقتلت معها القوانين الدولية وقرارات مجلس الامن والجمعية العمومية للامم المتحدة . كانت هذه المظاهرات وهذه الحشود تعبيرًا عن ارتباط وثيق بين فرحة العيد وصمود الشعب في مواجهة الظلم والابادة والترحيل . لقد هتف المصريون برفضهم القاطع لقرارات ترامب التي تهدف إلى تهجير إخواننا في غزة قسرًا إلى سيناء، وأرسلوا رسالة واضحة للكيان الصهيوني وللرئيس ترامب "مصر عصية، ولن تقبل بقرارات تُفرض عليها". هذا الموقف لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد وتأكيد أن عقيدة الشخصية المصرية ترفض العدوان والظلم منذ سبعة آلاف سنة التاريخ يقول هذا وسجل هذا وجدران المعابد رصدت البطولات المصرية وانتصاراتها ورفض لكل ما يخالف حقوق الانسان ، وهي نفسها عقيدة الجندي المصري التي ظلت وتظل صلبة كالجبال.
"الشخصية المصرية تتفرد بجوهرها عن سائر شعوب الأرض؛ فالمصريون هم الشعب الوحيد الذي رفض التطبيع مع إسرائيل رغم معاهدة السلام، معلنين بصوت لا يلين رفضهم القاطع للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وممارساته الوحشية ضد الشعب الفلسطيني، وجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق شعب أعزل، متمسكين بعزتهم وموقفهم الراسخ ضد الظلم."
لم تكن هذه المظاهرات مجرد رد فعل شعبي، بل كانت تأكيدًا على استقلالية القرار المصري بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي. ففي خطوة تاريخية، وسبق ان اعلن الرئيس السيسي موقف مصر وموقفه عندما ألغى زيارته التي كانت مقررة إلى الولايات المتحدة في اعقاب دخول ترامب البيت الابيض رئيسا لامريكا ، الزيارة التي الغاها السيسي بعد إعلان ترامب عن خطته تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن، معلنًا للعالم أن مصر دولة ذات سيادة لا تُملى عليها قراراتها. هذا القرار يعكس إيمان القيادة المصرية بأن فلسطين أرض عربية محتلة، وأن سيناء مصرية لن تكون وطنًا بديلًا لأحد. الشعب المصري، بدوره، فوّض قائده في المظاهرات العيد قائلًا: "استمر، نحن معك"، رافضًا التهجير القسري لأهل غزة، ومؤكدًا أن إخواننا في فلسطين لن يتركوا أرضهم تحت أي ضغط.

مصر، التي وضعت خطة إعادة إعمار غزة وحصلت علي موافقة جامعة الدول العربية في اجتماعها الطارئ بالقاهرة وتدعمها وارسلت المعدات لغزة للبدء في الاعمار وترفض الإبادة الجماعية التي يقودها نتنياهو بدعم ترامب، تقف كحائط صد منيع أمام أي محاولات لتصفية القضية الفلسطينية. من يفكر في تهجير أهل غزة إلى سيناء لا يدرك أن الشخصية المصرية ليست مجرد رد فعل، بل عقيدة راسخة لا تتزعزع.
لقد خرج المصريون إلى رفح ليقولوا "لا للتهجير"، من عدة شهور في اعقاب دخول ترامب البيت الأبيض رئيسا لامريكا وقراره بتهجير الفلسطسنين الي سيناء والاردن ، واليوم الخروج يتكرر في ارجاء مصر ليؤكدوا أن دعمهم لفلسطين ليس شعارًا، بل موقفًا عمليًا يمتد منذ احتلال إسرائيل لها ، ويؤكد ان شعب مصر هو جيشها وان الرئيس يملك تفويضا رسميا من الشعب نقول له فيه نحن معك ونحن خير أجناد الارض.

أخيرا

رمضان والعيد في مصر ليسا مجرد طقوس، بل هما تعبير عن شعب يحمل في قلبه فرحة لا تنفصل عن كرامته. سعادتي بالاحتفال بالعيد على ضفاف النيل لا توصف، لكن الأقوى هو رؤية هذا الشعب يحول فرحته بالعيد إلى صمود وتحدي معلنًا "كل عام ومصر عصية، وكل عام وفلسطين عربية" .. لا للتهجير وسيناء خط أحمر.. فمظاهرات المصريين في العيد تفويضا للسيسي.

مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة