لقد جعل الله برّ الوالدين من أسمى العبادات، إذ قرنه بطاعته، فقال في محكم تنزيله (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، فليس هناك تكريم أرفع ولا دلالة أبلغ على مكانتهما، وإن كان الإحسان هو جوهر الفضائل، فإن الأسرة هي مهد هذا الإحسان، حيث الأم قلبها النابض، والأب درعها الحامي، وكلاهما جناحا الأمان والاستقرار في حياة الأبناء، فالأم تحمل في أحشائها، وتضع بآلامها، وتسهر الليالي كقنديل يضيء دون أن يشكو الاحتراق، والأب يسعى ويكافح، يتحدى صعوبات الحياة ليؤمّن لأسرته العيش الكريم، يحمل على عاتقه هم المستقبل، ويسير بثبات رغم المشقة فلا يكل ولا يمل، ليكون الدرع الحصين الذي يقي أبناءه عثرات الزمن ويمنح أسرته الأمان والطمأنينة
إن الأسرة ليست مجرد رابطة اجتماعية، بل هي نواة الوجود الإنساني، الحقل الأول الذي تنبت فيه القيم وتُغرس المبادئ، واللبنة التي يقوم عليها صرح الفضيلة، فبحنان الأم تتشكل النفوس وبحكمة الأب تُبنى الشخصيات، وبتضحياتهما معًا تُصنع الأجيال التي تشكل دعائم المجتمع وتنهض به نحو التقدم والرقي حاملين لمشاعل الحضارة؛ إنهما معًا يمنحان الحياة بهجتها، ويضفيان على البيوت روح المحبة والسكينة، فحضور الأسرة المتماسكة هو مفتاح الاستقرار.
ونؤكد أن دور الأبوين ليس دورًا عابرًا في الحياة، بل هما أصلها وجوهرها، هما الجناحان اللذان تحلق بهما الأسرة في فضاء الطمأنينة والاستقرار؛ فالأم نبع الحنان المتدفق، والأب سند القوة الذي لا يميل، وبين عاطفة الأمومة وحكمة الأبوة تتجلى أسمى معاني وصور التضحية والعطاء، إنهما معًا يشكلان مدرسة لا تغلق أبوابها، تُنير العقول وتغرس الفضائل وتصقل النفوس، ليكون الأبناء مشاعل مضيئة في دروب المستقبل؛ فمنذ فجر الإنسانية، كان الأبوان هما النواة الأولى التي قامت عليها المجتمعات، وهما الحصن الذي يحمي، والمحراب الذي تُنسج فيه خيوط الفضيلة وكلاهما يكمل الآخر ليبقى البيت عامرًا بالحب والدفء.
وجدير بالذكر أن الأبوة والأمومة ليستا مجرد صفات بيولوجية، بل هما حالات وجودية متفردة، تتجلى في بذلٍ لا ينضب، وحبٍ لا يُشترى، وصبرٍ لا يَنفد، ولم تكن نهضة الأمم يومًا ممكنة دون يد حانية تربي، وعقلٍ حكيم يرشد، وقلبٍ محب يغرس القيم في النفوس؛ فكل قائد ملهم وعالم بارع ومفكر مبدع، خرج من بيت قامت دعائمه على حب وحكمة الوالدين، وتضحياتهما التي لا تُحصى، وإذا كانت الأمم تُقاس بمواردها الاقتصادية والعسكرية، فإن القيمة الحقيقية لأي مجتمع تُقاس بجودة الأُسر وتماسكها، فحيثما وجدت والدان واعيان وجدت أجيالًا قادرة على صنع المستحيل وبناء حضارة مشرقة الآفاق.
ولأن الوالدين أساس كل شيء، كان برهما من أسمى العبادات، وقرن الله طاعته ببرّهما، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات، وجعل في رضا الوالدين مفتاحًا للبركة والتوفيق، ولم يكن غريبًا أن يُكرر النبي ﷺ وصيته بالأم ثلاث مرات قبل أن يذكر الأب، حينما سُئل رسول الله ﷺ عن أحق الناس بحسن الصحبة، قال(أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك)، و لم يكن هذا التكرار اعتباطيًا، بل هو تأكيد بليغ على عظمة مكانة الأم، وإبراز لحجم تضحياتها التي قد يغفل عنه كثيرون في زحمة الحياة؛ فاستحقت أن تُقدّم في البر ثلاث مرات قبل الأب، لا تقليلًا من شأنه، ولكن إعلاءً لمكانة من بذلت عمرها وسعادتها من أجل أبنائها ليؤكد مكانتها العظيمة، ثم يوصي بالأب الذي يُمضي عمره سعيًا ليؤمّن لأبنائه سبل الراحة والنجاح والأمان.
والوالدان ليسا مجرد فردين في العائلة، بل هما الحياة نفسها، وحين يمضيان يتركان فراغًا لا يملؤوه أحد، لكن يبقى أثرهما خالدًا في القلوب، ويبقى عطاؤهما هو النور الذي لا ينطفئ، وقد يحدث في بعض الأسر أن يغيب أحد الوالدين بفعل القدر أو الظروف، فيتحمل أحدهما عبء الدورين معًا، فيُترك الأب ليكون الحاني والحاضن ويعوّض أطفاله عن غيابها، ويمنحهم من روحه ما يداوي جراح الفقد ويبعث الطمأنينة، والسند الذي لا يميل، والمربي الذي يسهر على تربية أبنائه بالقيم والمبادئ، تمامًا كما كانت ستفعل الأم لو كانت حاضرة، وكذلك الحال حين يغيب الأب، فتتحمل الأم وحدها مسؤولية القيادة، فتكون لأبنائها بمثابة الأب، تجمع بين الصرامة والحب، وتسهر على بناء شخصيات متزنة، وتزرع القوة في أبنائها، ليواجهوا الحياة بثقة وثبات رغم قسوتها،
وتُجسد هذه الأسر أروع صور التضحية والوفاء، حيث يتحول أحد الوالدين إلى ركيزة مزدوجة، تجمع بين الحزم واللين، وبين العطاء غير المشروط والحكمة في التربية، ورغم ثقل المهمة، إلا أن الحب الوالدين الصادق قادر على سدّ الفجوات التي خلفها الغياب، وأن البيت القائم على الوفاء لا تهزه العواصف؛ فما دامت الأسرة متماسكة والوالدين، أو أحدهما، يحمل شعلة الحب والتضحية، فإن الدفء سيظل قائمًا، والأمل سيظل حيًا، والبيت سيظل عامرًا بالمحبة، مهما قست الظروف واشتدت التحديات.
إن احتفاءنا بعيد الأم يعد بمثابة احتفال بالأسرة ولا يقتصر على تكريم الأم فحسب، بل هو احتفاءٌ بكل من يجعل للحياة معنى، لكل من يبذل الحب دون مقابل ويسهم في بناء بيتٍ عامرٍ بالمودة والتماسك، ولكل من يحمل على عاتقه مسؤولية بناء الأجيال ورعاية الأبناء، وكلاهما جناحا الطمأنينة في حياة أبنائهما، فهذا اليوم ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو تذكير بقيمة الأسرة، ذلك الحصن المتين الذي يحمينا من عواصف الحياة، والمصدر الأول للقيم والمبادئ، والحصن الذي يمنحنا القوة لمواجهة تقلبات الزمن والمرفأ الذي نعود إليه مهما ابتعدنا.
إلى كل أسرة تُظلّل أبناءها بالمحبة، إلى كل يدٍ تزرع الخير، وكل قلبٍ يحتضن، وكل روحٍ تُضحي لتُضيء درب غيرها، إلى كل من يجعل من بيته جنةً تُشرق فيها المودة، وتنبض بالحياة، أنتم نبض هذا العالم، وروحه النقية، وأساسه المتين. فكما لا تُشرق الشمس إلا بوهجها، لا يزدهر المجتمع إلا بأسرة متماسكة، تنسج من الحب ألف حكاية، ومن التضحية أبهى المعاني. كل عام والأسرة هي الحياة التي لا تفنى، والمأوى الذي لا يُستغنى عنه، والنبض الدافئ الذي يروي القلوب حبًا وأمانًا.
بقلم
أ.د/ مها عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر