لا تفهمونا غلط
في أعقاب انتقادات الرئيس عبد الفتاح السيسي للدراما المصرية، والتي وصف فيها بعض الأعمال بأنها لا تعكس قيم المجتمع المصري ولا تسهم في بناء الإنسان، أصبحت صناعة الدراما تحت مجهر النقد والمساءلة. تساؤلات كثيرة تطرح نفسها: كيف يمكن للدراما المصرية أن تستجيب لتوجيهات الرئيس؟ وكيف يمكن تحويل هذه الانتقادات إلى فرصة لإصلاح جذري يعيد للدراما بريقها كقوة ناعمة تعكس الهوية المصرية وتدعم الأمن القومي؟
وجه الرئيس السيسي انتقادات لاذعة للدراما المصرية، مؤكدًا على ضرورة أن تكون الأعمال الفنية معبرة عن قيم المجتمع المصري وأخلاقه.
وأشار إلى أن الإعلام يجب أن يكون إيجابيًا ومفيدًا، يعمل على تنشئة الأجيال الجديدة على المبادئ والثوابت التي تحفظ هوية المجتمع وتدعم تماسكه. هذه الانتقادات ليست مجرد لوم، بل هي دعوة واضحة لإصلاح شامل يعيد للدراما المصرية مكانتها الريادية.
لتحقيق رؤية الرئيس، يجب اتباع استراتيجية شاملة تعتمد على عدة محاور رئيسية أهمها تحسين نوعية المحتوى النص والسيناريو وأن نعمل علي إنتاج أعمال تعكس الهوية المصرية ، ويكون التركيز على القضايا الإيجابية التي تعكس قيم المجتمع المصري، مثل الانتماء والتضحية والأخلاق، وأن تتجنب القضايا السلبية والعنف والبلطجة والتفكك الاسري والابتعاد عن الأعمال التي تكرس الصور النمطية وتعزز السلوكيات الهدامة و تقديم أعمال متنوعة تشمل التراث المصري، القضايا المعاصرة، والأعمال التاريخية التي تسلط الضوء على إنجازات مصر عبر العصور والبطولات والقضايا الاجتماعية وتقديم حلول لها فالدراما تلعب دورا محوريا لأنه أشد تأثيرا علي البيت المصري ولأنها تدخله بدون استأذان .
وقد تحدث الرئيس عن إصلاح الدراما المصرية من أكثر من عام عبر مداخلة تليفونية مع برنامج رئيس التحرير الذي كان يستضيف الكاتب والسيناريست عبد الرحيم كمال وأذكر أنه قال قضيتنا بمصر هى قضية الوعى ويهمنا تحصين شبابنا.. وتكلفة الإصلاح هائلة ويدفعها المٌصلح.. والدولة مستعدة لتقديم دعم ضخم لأعمال فنية تبنى الوعى.. وأذكر أيضا قول الرئيس للكاتب عبد الرحيم كمال حديثه للكاتب عبد الرحيم كمال: "عايز أقولك جهز اللى أنت عايزه وأنا معاك، وأنا أحييك على فهمك ووعيك وثقافتك وبقولك أنا داعم لأى عمل فنى فى مجال الوعى الذى نتحدث فيه وفى مجال الوعى ، وكلام الرئيس ليس موجها لعبد الرحيم كمال فقط ولكن موجه لكل كاتب يعي دور الدراما في تنمية الوعي وهذا كان واضحا في حديثة الاخير عن اصلاح الدراما المصرية ما قاله ليس انتقادات بل خريطة اصلاح تحتاج من يعمل عليها ، ويبدأ العمل بإنشاء صندوق دعم للإنتاج الدرامي تقوم بانشائه الدولة لانتاج أعمال درامية هادفة ، مع توفير تمويل للمشاريع التي تعكس الهوية المصرية، وهذا لابد أن يتزامن مع عودة قطاعات الانتاج بماسبيرو ومدينة الانتاج الاعلامي وشركة صوت القاهرة لانتاج اعمال درامية متميزة تحمل اسم صنع في مصر وعلمت أن البداية ستكون من مدينة الانتاج الاعلامي التي ستعود للانتاج الدرامي بعمل يحمل اسم طلعت حرب رائد الاقتصاد المصري.
وحتي تعود الدراما المصرية للحياة مرة أخري لابد من منع الاحتكار وتشجيع القطاع الخاص للعودة للانتاج و تقديم حوافز للشركات المنتجة للاستثمار في أعمال درامية مبتكرة وهادفة وان يكون هناك شراكات بين قطاعات الدولة الانتاجية والقطاع الخاص فإعادة إحياء قطاعات الإنتاج الحكومية ودعمها مهم جدا لإنتاج أعمال درامية عالية الجودة تعبر عن مصر
لدينا كوادر فنية شابه متنوعة ولدينا أكاديميات فنية تمتلك قدرات هائلة يمكنها تبني الموهبين وتنظيم ورش عمل لتدريب الكُتّاب والمخرجين الشباب على كتابة وإنتاج أعمال درامية تعالج قضايا مجتمعية بطريقة إيجابية وإدراج مناهج تعزز القيم الأخلاقية في صناعة الدراما ، وإرسال الكوادر الشابة للتدريب في الخارج لتعلم أحدث التقنيات في صناعة الدراما.
تمتلك مصر منصة تليفزيونية تعرض اعمالنا الدرامية وأعلن التليفزيون المصري عن اطلاق منصة قريبا ولكن من عقد شراكات مع المنصات العالمية مثل "نتفليكس" و"شاهد" لتوزيع الأعمال المصرية التي تعكس الهوية الثقافية لمصر.
ونحن في زمن السموات المفتوحة والتسويق الالكتروني والاعلام البديل لابد يكون لدينا المقدرة علي تسويق اعمالنا الدرامية بشكل احترافي باستخدام استراتيجيات تسويقية ذكية للترويج للأعمال المصرية على المستوى العربي والعالمي.
عاصرت بداية انطلاق مدينة الانتاج الاعلامي وكنت واحدا ممن عملوا بها ورأيت كيف اتجهت المدينة للانتاج الدرامي المشترك مع تليفزيونات دول الخليج واتمني ان نعود لإنتاج أعمال مشتركة بالتعاون مع جهات إنتاجية أجنبية لإنتاج أعمال درامية مشتركة تعكس الثقافة المصرية.
واذا كنت طالبت كثيرا بمنع الاحتكار اتمني أن نعمل علي حماية حقوق الملكية الفكرية ومكافحة القرصنة فهناك قنوات بير السلم منتشرة في عالمنا العربي وتقوم بسرقة اعمالنا الدرامية وعرضها علي شاشاتها ولابد ان نبث عن حلول لمنع سرقتها ووضع قوانين صارمة لمكافحة القرصنة وضمان حقوق المؤلفين والمنتجين.
واذا كانت الدولة ستعمل بعد انتقادات الرئيس للدراما المصرية علي عودة الانتاج الدرامي الذي يسهم في بناء الانسان المصري لابد أن تقوم بتشجيع الإبداع وتقديم جوائز ومكافآت للأعمال الدرامية المتميزة التي تعكس القيم الإيجابية وأن يعود مهرجان الاذاعة والتليفزيون مرة اخري ولا يمكن استبدال تاريخه وأمجاده بمنتدي الاعلام الذي يسعي المسلماني لاطلاقه .
تعزيز الهوية الثقافية المصرية مهم جدا لعودة الريادة والهوية المصرية لانتاجها الدرامي وهذا لن يحدث الا بإنتاج أعمال تعكس التراث المصري وتعمل علي تسليط الضوء على الحضارة المصرية القديمة والحديثة من خلال الأعمال الدرامية فلدينا بطولات تحدث عنها التاريح قديمة ترصدها جدران المعابد وبطولات حديثة للجيش المصري لتعزيز قيم الانتماء والوطنية لدى الشباب مثل مسلسل "الاختيار" الذي أعاد صورة البطل المصري وقيم التضحية والوطنية، وفيلم "الممر" الذي سلط الضوء على تاريخ مصر العسكري البطولي. هذه الأعمال حققت نسب مشاهدة عالية وأثرت إيجابيًا في الصورة الذهنية لمصر.
أخيرا
انتقادات الرئيس السيسي للدراما المصرية ليست مجرد لوم، بل هي فرصة لإصلاح جذري يعيد للدراما بريقها كقوة ناعمة وامن قومي مصري لتعكس قيم المجتمع ، بتوجيهات الرئيس اصبحت الفرصة متاحة ويجب أن يكون هناك تعاون بين جميع الجهات المعنية ، فالرئيس يقف خلف عودة ماسبيرو ويقف الآن خلف عودة الدراما المصرية الي مكانتها الريادية كصناعة فنية تعكس حضارة مصر وتاريخها معًا وحاضرها ومستقبلها ، فنحن نستطيع صناعة دراما تعبر عن مصر الحضارة والتاريخ، وتنافس عالميًا بمحتوى هادف وإيجابي، يا صناع الدراما استغلوا الفرصة استجيبوا لتوجيهات الرئيس
مصطفي البلك
[email protected]