رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


يحلُّ شهر رمضان الكريم كل عام ليحمل معه عبق التقاليد العريقة التي تميز المجتمعات الإسلامية، حيث تنعكس روحانية الشهر في الطقوس والعادات التي ترسخت عبر الأجيال. رغم أن مصر والصين دولتان ذوات حضارة قديمة، إلا أنهما تختلفان ثقافيًا. ومع ذلك، فإن المسلمين في كلا البلدين يشتركون في قيم التراحم والتواصل الاجتماعي خلال الشهر الفضيل، مع اختلاف في طريقة التعبير عن هذه القيم. من صوت المسحراتي إلى موائد الرحمن، ومن الفوانيس المضيئة إلى الإفطار الجماعي، يزخر رمضان في مصر والصين بعادات تشكل جزءًا أساسيًا من الهوية الإسلامية لكل مجتمع.
وصل الإسلام إلى الصين في القرن السابع الميلادي مع التجار العرب والفرس، ومنذ ذلك الحين، أصبح جزءًا من النسيج الثقافي لبعض المناطق. وينتشر المسلمون في ست مقاطعات في غربي الصين، وهي: (كانسو، شنغهاي، يونان، شانسي، نان تشا، سيشوان)، وفي أربع مقاطعات في جنوبي الصين، وهي (غوانجو، غوانغ شي، هونان، هوبي، شينجيانغ، ونينغشيا، وقانسو). ويتمسك المسلمون الصينيون بعاداتهم الرمضانية، حيث تُقام صلاة التراويح، وتُجهز وجبات الإفطار الجماعي، ويحرص الكثيرون على قراءة القرآن يوميًا.
ويُسمى شهر رمضان في الصين (باتشاي)، ويستقبل مسلمو الصين الشهر المبارك بطريقة مختلفة بعض الشيء عن نظرائهم في الدول العربية والإسلامية؛ وذلك لاختلاف العادات والتقاليد المتوارثة.
وتقوم الجمعية الصينية الإسلامية في بكين، والتي تُعد من أهم المؤسسات الدينية في جمهورية الصين الشعبية، بتحديد مطلع شهر رمضان وفقًا للحسابات الفلكية وليس برؤية الهلال كباقي الدول العربية والإسلامية. حيث يتوجب على المسلمين في الصين إتمام الصيام ثلاثين يومًا. وينتشر في الصين قرابة أربعة وثلاثين ألف مسجد.
وهناك تقاليد وعادات مصرية وصينية مرتبطة بشهر رمضان الكريم، منها المسحراتي، وهو تقليد رمضاني يجمع الشرقين. ففي ليالي رمضان، تتناغم أصواتٌ تملأ الأجواء بروحانية الشهر الكريم، أصواتٌ توقظ النائمين لتناول السحور، وتُذكّر الجميع بقدوم الفجر. إنها أصوات المسحراتي، ذلك التقليد العتيق الذي ما زال يحتفظ بمكانته في قلوب المسلمين، رغم تغير الزمان والمكان.
ويُعد المسحراتي من أبرز التقاليد الرمضانية في مصر. فهو يجوب الشوارع ليلًا بطبلته الشهيرة، مرددًا أسماء الأهالي لإيقاظهم للسحور. وقد ارتبط هذا التقليد بالمجتمع المصري منذ العصر الفاطمي، حينما استخدم والي مصر "عتبة بن إسحاق" الطبول لإيقاظ الناس للسحور. وتطور هذا الفن ليشمل الأناشيد الدينية والابتهالات التي تزين الليالي الرمضانية.
أما في الصين، فظاهرة المسحراتي ليست منتشرة على نطاق واسع. ولعل أهم المدن الصينية التي تعتمد على المسحراتي هي (بكين: حيث يُعتبر المسحراتي جزءًا لا يتجزأ من رمضان في أحياء المسلمين، مثل حي نيوجيه) ومدن (أورومتشي وكاشغر). يُعتبر المسحراتي تقليدًا راسخًا بين المسلمين الأويغور. وفي يوننان، يُعد المسحراتي جزءًا من التراث الإسلامي المحلي في مدينة كونمينغ.
وفي الصين أيضاً، لا يُستخدم الطبل بنفس الطريقة التقليدية للمسحراتي في مصر، لكن توجد طرق محلية لإيقاظ المسلمين للسحور، تتمثل في أجراس صغيرة تُقرع لتنبيه الناس إلى وقت السحور. وفي بعض المجتمعات، يتبرع بعض المسلمين بالمرور على المنازل ويطرقون الأبواب بلطف لإيقاظ السكان، وهو تقليد يشبه المسحراتي لكن بدون استخدام الطبول. وفي المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي، يتم الاعتماد على مكبرات الصوت داخل المساجد للإعلان عن وقت السحور، حيث يحرص المسلمون على الحضور للصلاة ثم تناول السحور معًا.
ورغم اختلاف الأساليب، يبقى الهدف واحدًا، وهو تنبيه المسلمين إلى موعد السحور وحثهم على الاستعداد ليوم الصيام. وهذا يعكس تواصل التقاليد الإسلامية رغم التباين الثقافي. ويُعتبر المسحراتي رمزًا للتراث الإسلامي، وشاهدًا على قدرة الدين الإسلامي على التكيّف مع مختلف الثقافات والحضارات. يُذكرنا المسحراتي بأهمية التواصل الإنساني، وقدرة التقاليد على خلق جسور بين الشعوب، مهما اختلفت لغاتهم وأعراقهم.
مسجد نيوجيه:
ومن عادات المسلمين الصينيين في بكين خلال شهر رمضان، التجمع في المساجد في العشر الأواخر من الشهر للاحتفال بليلة القدر، والإكثار من الصلاة وقراءة القرآن الكريم. ولعل أشهرها (مسجد نيوجيه)، أكبر مساجد بكين.
ويقع مسجد نيوجيه بشارع نيوجيه، ومعناه لغويًا "شارع البقر". وهو من أهم مناطق بكين التي تتركز فيها طقوس الذبح الإسلامية، وأُطلق عليه هذا الاسم لكونه كان مكانًا لتجارة الأبقار – وهي التجارة التي سيطر عليها المسلمون لقرون من الزمن – في بكين. ويرجع تاريخ نشأة منطقة "نيوجيه" إلى عصر أسرة تانغ (4-294هـ/ 618-907م). وتُعد هذه المنطقة من المناطق الكبيرة التي يتركز فيها مسلمو بكين.
ويعتبر مسجد نيوجيه ثاني أقدم المساجد في الصين وأقدمها في شمالي الصين. وهو أول مسجد بُني في مدينة بكين. وقد اختلفت الآراء حول تحديد تاريخ بنائه: ففي حين يقترح بعض الباحثين أن المسجد تم بناؤه في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، ترجّح بعض الدراسات الأخرى أن المسجد يرجع تاريخ بنائه إلى عام 384هـ / 994م. إلا أن هناك اتفاقًا بين معظم الباحثين الصينيين أن المسجد يعود تاريخ بنائه إلى عصر أسرة سونغ، وتحديدًا عام 386هـ / 996م.

موائد الرحمن: كرم المصريين والمسلمين الصينيين
تعد موائد الرحمن من مظاهر التكافل الاجتماعي المميزة لشهر رمضان في كافة أنحاء مصر، حيث تمتد الموائد في الشوارع والساحات العامة لإطعام الصائمين. وهو تقليد يعود للعصر الفاطمي. أما في الصين، تُنظم المساجد وجبات إفطار جماعي، خاصة في بكين ومدن كاشغر وأورومتشي، حيث يجتمع المسلمون في المساجد الكبرى مثل مسجد نيوجيه، أحد أقدم المساجد في الصين، لتناول الطعام والتواصل الاجتماعي.
الفوانيس: من القاهرة إلى بكين
يرتبط الفانوس بشهر رمضان في مصر منذ عهد الفاطميين. وهو ليس مجرد وسيلة إضاءة، بل تحول إلى رمز احتفالي تتناقله الأجيال. رغم اختلاف أشكاله وتطوره عما كان، إلا أنه يحتفظ بالشكل التقليدي إلى حد كبير. أما في الصين، فالفانوس الرمضاني ليس تقليدًا راسخًا كما هو في مصر، لكن بعض المناطق ذات الأغلبية المسلمة تستخدمه خلال الاحتفالات الرمضانية. وتملك الثقافة الصينية تاريخًا غنيًا في استخدام الفوانيس خلال المهرجانات التقليدية، مما سهل اندماج الفانوس الرمضاني في بيئتهم.
الإفطار الجماعي وصلاة التراويح
في مصر، يعد الإفطار الجماعي، سواء بين الأسر أو في الشوارع، من أبرز الطقوس التي تعزز روح المحبة والألفة بين الناس، يليها التوجه للمساجد لأداء صلاة التراويح. أما في الصين، فتقوم بعض المساجد بإعداد موائد الرحمن، والتي يقوم عليها المطاعم الإسلامية القريبة من مواقع المساجد. ولا يفطر المسلم الصيني على التمر أو اللبن، ولكن في عاداتهم يتم الإفطار بتناول البطيخ والشاي الأخضر، ثم الذهاب لصلاة المغرب والعودة لتناول وجبة الإفطار التي يستغرق تناولها ساعة أو ساعتين، حيث يتم التحاور بين أفراد العائلة أو الأصدقاء ومناقشة كافة الأمور حتى الانتهاء من تناول الأطعمة التي تحتوي في العادة على لحم الضأن، ويتم تقديم الأرز المسلوق في نهاية الوجبة. أما الحلويات، فهي عبارة عن كعكة من التمر والزبيب والمشمش المجفف والسكر والسمسم.
ويجتمع المسلمون في المساجد لأداء صلاة التراويح، حيث تمثل فرصة للتواصل بين المسلمين من مختلف العرقيات. وتقام صلاة التراويح في الصين في عشرين ركعة، وبين كل ركعتين يردد دعاء (يا مقلب القلوب والأبصار، ويا خالق الليل والنهار) ثلاث مرات. وبين كل أربع ركعات، يُحمد الله - تعالى- ويُقال (سبحان ذي الملك والكبرياء والجبروت، سبحان الملك الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح) ثلاث مرات أيضًا. وبعد الانتهاء من صلاة التراويح، يُقال بصوت جماعي: (اللهم إنا نسألك الجنة، ونعوذ بك من النار، يا مجيد، يا أرحم الراحمين). وبعد ذلك، تُصلى صلاة الوتر جماعة، والدعاء إلى الله تعالى بالأدعية المأثورة.
ونستكمل ان شاء الله في الجزء الثاني من المقال.

*المستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
وكيل الوزارة بهيئة الاستعلامات سابقاً
خبير بالشأن الصيني وعضو جمعية الصداقة المصرية الصينية
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة