من الألف إلى الياء
مابين التفاؤل الحذر والتوجس من هيمنة العقول الصناعية علي مستقبل العالم تتباين الرؤي حول أفق المستقبل المنظور، وحتي إشعار آخر!.
وما يزال النقاش محتدما منذ سنوات عن حقيقة "الذكاء الاصطناعي" كسيف ذي حدين، ففيما يرى البعض أنه مساند للإنسان من أجل حياة أفضل، حيث يسهم بفعالية كبيرة في توفير الوقت والجهد والمال ،يذهب آخرون إلى دائرة التشاؤم توجسا من مخاطره المحتملة!.
وفي زمن التوتر والإضطراب وآفات العصبية المتزايدة التي فرضتها إيقاعات العصر الشائكة ، يبدو أن عدوي المرض العضال قد انتقل من عالم بني البشر إلي دنيا العقول الصناعية "الموازية"
،وحدث بالفعل ما كنا نخشاه من الذكاء الاصطناعي.
والمفارقة جمعت بين عناصر المفاجأة والطرفة والغرابة، والقلق من مستقبل الحياة في ظل العقول الصناعية ،فقد خرج "روبوت" صيني عن السيطرة ،وانهال بالضرب على جمهور إحدي المهرجانات التي عقدت مؤخرا لعرض آخر ما توصلت إليه الصين في تكنولوجيا "الروبوتات"!.
وقد حدث هذا في حين كان الجميع يمدون إليه أيديهم بابتسامات عريضة لمصافحته، ولولا التدخل العاجل لمشرفي الفعالية بوقف عمل "الروبوت" لحدث ما لا يحمد عقباه!.
ويبدو أن "الروبوت الهائج" قد ترجم ردود أفعال المشاهدين بصورة خاطئة!.
وقد أثار سلوك "الروبوت " المخاوف المتعلقة بموثوقية تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والقدرة على التحكم بها.
وبث موقع "ذا إيكومنوميك تايمز" مقطع ڤيديو تداوله رواد مواقع التواصل، يظهر "روبوتا" يستعرض حركاته أمام الجمهور في مهرجان أقيم بـ "تيانجين" الصينية الشهر الماضي.
وقدم صدم الجمهور بانقضاض الروبوت عليه، ومحاولته ضرب أحد الحضور كما يبدو، لولا تدخل رجال الأمن بسرعة لوقف الروبوت عن الاستمرار بحركاته التي بدت وكأنها خرجت عن التحكم!.
ووفقا لما أورد الموقع فإن منظمي الحدث قللوا من خطورة ما جرى، ووصفوا الأمر بأنه "فشل روبوتي بسيط".
وأكد منظمو الحدث أن الروبوت وهو من تطوير شركة Unitree Robotics، اجتاز جميع فحوص السلامة، وأصروا على وضع تدابير إضافية لمنع وقوع حوادث مستقبلية بحسب ما ذكرت صحيفة "ميترو" البريطانية.
ورغم كون الحادث مجرد موقف عابر، نتيجة لخطأ ما في البرمجة ،أو لتوقف ربما مؤقت لحظي للعقل الصناعي ،واختلطت عليه الأمور ،لكنه أثار العشرات من علامات الاستفهام.. وفتح ملف مناقشة أخطاء "الروبوتات" وجموح تقنيات الذكاء لدي المهتمين وبعض الشركات المتخصصة سواء في الصين أو خارجها.
كما تحدث البعض عن مدي موثوقية تطبيقات الصين الجديدة التي دخلت خلال السنوات الأخيرة في منافسة حادة مع التطبيقات الغربية والأمريكية للذكاء الصناعي.
ودعا خبراء في مجال التكنولوجيا إلى توخي الحذر بشأن الاستخدام المتزايد للمنصة الصينية للذكاء الاصطناعي "DeepSeek"، وذلك في ضوء المخاوف المتعلقة بمخاطر نشر المعلومات المضللة، بالإضافة إلى إمكانية استغلال الحكومة الصينية لبيانات المستخدمين.
وقد تسبب هذا التطبيق منخفض التكلفة في خسارة تريليون دولار من القيمة السوقية لأكبر مؤشر للأسهم التكنولوجيا في الولايات المتحدة مؤخرا، وأصبح التطبيق المجاني الأكثر تحميلا في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة ،ووصف ظهوره بأنه "إنذار" لشركات التكنولوجيا الكبرى.
وأثار "ديب سيك" دهشة في عالم التكنولوجيا، حيث أظهرت المنصة قدرتها على تقديم أداء مشابه لتقنيات معروفة مثل "شات جي بي تي" ولكن بتكلفة أقل بكثير، ما يجعلها منافس قويا في هذا المجال.
وحذر "روس بيرلي" مؤسس مركز "المرونة المعلوماتية" ، من أن عدم مراقبة مثل هذه المنصات قد يؤدي إلى استخدامها في نشر التضليل الإعلامي وتقويض الثقة العامة، وهو ما قد يضر بالديمقراطيات في مختلف أنحاء العالم.
وفي الوقت الذي تصاعد فيه النقاش حول دور "ديب سيك" في عالم الذكاء الاصطناعي، يؤكد العديد من الخبراء أنه بالرغم من إمكانياته الواعدة في دفع الابتكار، إلا أن القلق من استخدامه في نشر الروايات السياسية الموجهة يبقى قائما، خاصة في ظل سيطرة الصين على البيانات التي يتم جمعها.
وحسب "الجارديان" فقد أظهرت تجارب بعض المستخدمين مع تطبيق "ديب سيك" أنه يمتنع عن تقديم إجابات تفصيلية حول قضايا حساسة وعندما سئل عن وضع "تايوان"، كررت المنصة الموقف الرسمي للحكومة الصينية الذي يعتبر الجزيرة جزءا لا يتجزأ من الصين.
وفي سياق متصل، أكد الخبراء أن الشركات يجب أن تكون أكثر وعيا بالمخاطر المرتبطة باستخدام منصات الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات الحساسة، لا سيما في ضوء القوانين الصينية التي تفرض على جميع المؤسسات التعاون مع الجهود الاستخباراتية الوطنية.
وبعيدا عن الخوارزميات المتحيزة التي تتحكم في أنظمة تحليل ومعالجة البيانات والمعلومات، ومن ثم فالنتائج قد تكون موجهه وغير موضوعية، يري بعض الخبراء أن الأخطاء التي من الممكن أن ترتكبها "الروبوتات" والعقول الصناعية أثناء أدائها لمهامها المبرمجة يمكن أن تكون ناتجة عن عدة أسباب، بما في ذلك:
ـ أخطاء البرمجة الأساسية.
ـ أخطاء البيانات التي يتلقاها.
ـ أخطاء فنية في الأجهزة التي يستخدمها.
ـ أخطاء في نظم التحكم.
ومن بين التأثير السلبية لأخطاء الروبوت:
ـ الخسائر المالية الكبيرة.
ـ التأثير على الأمن : فيمكن أن يؤدي أخطاء "الروبوت" وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى تأثير على الأمن بكافة صوره ، خاصة إذا كان "الروبوت " يستخدم في سياقات أمنية.
ـ وأيضا التأثير على الثقة والمصداقية ،فالأخطاء تؤثر في درجات الموثوقية في "الروبوتات"، وأنظمة التحكم الآلي والتحول الرقمي.
كما تحدث البعض عن جموح الذكاء الاصطناعي وهو مصطلح يُستخدم لوصف السلوك غير المتوقع أو غير المبرر للذكاء الاصطناعي، والذي يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة أو حتى ضارة.
ومن أنواع جموح الذكاء الاصطناعي:
ـ الجموح العرضي: يحدث عندما يتصرف الذكاء الاصطناعي بطريقة غير متوقعة نتيجة لخطأ في البرمجة أو البيانات.
ـ الجموح العمدی: يحدث عندما يتصرف الذكاء الاصطناعي بطريقة غير متوقعة نتيجة لتصميم أو برمجة عمدية.
ـ الجموح الناجم عن التعلم: يحدث عندما يتعلم الذكاء الاصطناعي سلوكا غير متوقع نتيجة للبيانات أو الخبرة.
ومع المحاولات المستمرة لابتكار إنسان آلي يتمتع بجميع قدرات الإنسان الطبيعي ويترجم مشاعر الغضب والحزن والسعادة ،ولديه القدرة على التفاعل الإجتماعي وإدراك القيم الإنسانية فالتخوف الأكبر هو خروج "روبوتات" المستقبل
عن السيطرة من خلال تقنيات التحكم الآلي فائقة التطور و"الأتمتة" اللامحدودة وتكنولوجيا مسيرات الدرون، وربما تتسبب عن طريق الخطأ في إشعال حروب كبري ،أو تعطيل أنظمة حيوية كأنظمة البنوك والمؤسسات المالية وتحويل الأموال ومواعيد الطائرات.
وتتزايد مخاطر توظيفها من قبل بعض الجهات الإستخباراتية و"الهاكر" في الهجمات السيبرانية، وتعطيل أجهزة البث والاتصالات ،وغيرها.
كما يتوجس البعض من التوظيف الخاطيء لفكرة زرع شرائح إلكترونية في المخ أو في الذراع وتجاوز أغراضها العلمية والطبية ومعالجة بعض الأمراض إلي التحكم في توجيه العقل البشري والسيطرة علي مقدراته الفكرية الفطرية !.
وتبقي حقيقة وحتمية الحذر من جموح عقول البشر أولا قبل جموح عقول الذكاء الموازي ..
ومن الحكمة بحث آليات إعادة تأهيل العقل البشري لإدارك قيم الحق والخير والعدل وكافة القيم الإنسانية ،التي غابت عنا أو غيبت وتراجعت أمام تيارات النفعية والمادية ففاقد الشيء لن يعطيه أبدا !.