رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

مشهد القمة الروسية- الأميركية المقررة في الرياض بعد أيام، يؤشر الى العديد من النقاط المهمة، أولها ان القضايا المطروحة على طاولة الزعيمين لن تقتصر على الازمة الأوكرانية فقط، لكنها ستمتد الى قضايا اقليمية أخرى أهمها الملف النووي الايرانى الذى تلعب فيه موسكو دورا كبيرا ومؤثرا، فضلا عن مستقبل عملية السلام في الشرق الأوسط خاصة في بعد التغيير الدراماتيكي الذى شهدته سوريا بسقوط نظام بشار الأسد الذي كان يمثل حليف روسيا الوحيد، بالإضافة الى القضايا الاقتصادية والأمنية الراهنة والدور الصينى في منطقة الخليج وطرق التجارة العالمية.. والمثير أن كل الأطراف الأخرى التي تأثرت وتضررت من الحرب الأوكرانية مثل الاتحاد الأوروبي وكندا وغيرهم لن يكونوا حاضرين في تلك القمة.

لأنه ومن وجهة نظر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، زعيم الصفقات، فإن الزيارة بالنسبة له فرصة لحصد مكاسب عديدة على كافة الأصعدة، ولا يريد أن يتقاسمها مع أطراف أخرى كانت مجرد عرائس يحركها الكبار، حتى الرئيس الاوكراني نفسه اصبح جزء من المكاسب التي يريدها ترامب.. كل شيء على مائدة ترامب مباحة بداية من احتكار نصف انتاج مناجم المواد الخام النادرة لدى أوكرانيا، مرورا بأعادة رسم خريطة المصالح في المنطقة وتحجيم الدور الصينى لصالح الروس، وانتهاء بإيجاد وسيلة للتعاون مع بوتين لاحياء طريق التجارة البحرى في الشمال الذى لن يكتمل الا من خلال سيطرة أمريكا على جرينلاند.

وهذا الطريق من وجهة نظره سيكون هو الجائزة الكبرى لأنه يوفر أكثر من نصف المدة للرحلات التجارية من جنوب شرق اسيا الى أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي.. وتلك قصة أخرى.
الأوروبيون وأوكرانيا بطبيعة الحال، تشعر بالقلق بشأن احتمالية عقد صفقة أمريكية روسية من وراء ظهر كييف ودول الاتحاد تدعم الموقف الروسي وفى نفس الوقت تكون عنصرا ضاغطا على أوروبا للقبول بقرارت ترامب الخاصة بالجمارك والضرائب على تجارتهم.
طوال فترة حملته الانتخابية وبعدها كان الرئيس دونالد ترامب يكرر جملته الشهيرة بشأن الحرب في أوكرانيا "عندما أصل للبيت الأبيض سأنهي الحرب في يوم واحد"..

قبل عدة أشهر قدم كيث كيلوغ، مستشار الأمن القومي للرئيس السابق دونالد ترامب، خطة شارك في اعدادها مع المحلل السابق لوكالة المخابرات المركزية فريد فليتز الذي اقترح وقف تسليم الأسلحة الأمريكية إلى أوكرانيا إذا لم تدخل كييف في محادثات سلام مع موسكو - ولكن أيضا حذر موسكو من أنه إذا رفضت التفاوض مع كييف، فإن واشنطن ستزيد من دعمها لأوكرانيا.

بعد حوالي خمسة أشهر، عين الرئيس المنتخب ترامب كيلوغ مبعوثا خاصا له إلى أوكرانيا وروسيا. قال كيلوغ في مقابلة صحفية: "حان الوقت لإعادة الحرب إلى صندوق". الا ان مصادر روسية ردت عليه بالقول "سيأتي كيلوغ إلى موسكو بخطته، ونأخذها ثم نقول له أن تزعج نفسه، لأننا لا نوافق".
يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليس لديه اهتمام بتسوية تفاوضية للحرب في أوكرانيا - والتي تتطلب من موسكو التوصل إلى حل وسط - لأنه يعتقد أن روسيا ستفوز بالحرب. ومع ذلك، إذا كان ذلك فقط للتأكيد على هدفها النهائي، فقد وضعت روسيا مجموعة قصوى من المطالب لكييف وشركائها تتمثل في الحياد الدائم لأوكرانيا دون خيار مستقبلي لعضوية حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي، والاعتراف الغربي بالأجزاء التي تحتلها روسيا من أوكرانيا، وإزالة جميع العقوبات الغربية، واتفاق أوسع من الغرب للاعتراف ب "مجال النفوذ" المحدد ذاتيا في روسيا.

صفقة من هذا النوع هي، بالطبع، غير جادة لأوكرانيا وحلفائها في أوروبا. وبالمثل، سيتم رفضها من قبل الشركاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تدرك جيدا أن السماح لبوتين بالمطالبة بالنصر في أوكرانيا يمكن أن يشجع الصين بشكل مباشر على اتخاذ إجراء بشأن تايوان. وسيرفض الكثيرون في الولايات المتحدة، بما في ذلك الكثيرون في الحزب الجمهوري، مثل هذه الصفقة، خوفا من أنها ستعزز المحور الاستبدادي المتنامي للصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا على حساب المصداقية والقيادة العالمية للولايات المتحدة.
ترامب كما قال في السابق إنه يهدف إلى التوصل إلى اتفاق مع بوتين، وهو محق في الرغبة في تحقيق سلام دائم ومستدام في حرب كلفت مئات الآلاف من الأرواح وزعزعة استقرار الجغرافيا السياسية في جميع أنحاء العالم. ولكن لتحقيق هذا الهدف، ستحتاج إدارته أولا إلى وضع الروس على الطاولة مع استعداد للتفاوض والتوصل إلى تنازلات ذات مغزى من شأنها أن تؤدي إلى أكثر من مجرد وقف إطلاق النار على المدى القصير.
للقيام بذلك والتفاوض مع موسكو من موقع قوة، سيحتاج الرئيس إلى إنشاء وسائل ضغط أكبر بكثير على روسيا مما تمتلكه الولايات المتحدة حاليا. وترامب مستعد جيدا لتنفيذ استراتيجية من شأنها أن تحقق ذلك بالضبط: وكما فعل في فترة رئاسته الاولي مع ايران فانه سيطبق نفس الاستراتيجية على روسيا.

فقد أضعفت حملة الضغط القصوى التي شنها ترامب ضد نظام إيران بشكل كبير عندما تم تنفيذها لأول مرة في عام 2018. استخدمت هذه السياسة مجموعة قوية من العقوبات الاقتصادية لتقييد قدرة طهران على تمويل الجماعات بالوكالة مثل حماس وحزب الله، وتحسين قدرة جيشها، وتطوير برنامجها النووي. ونجحت جهود العقوبات هذه في استنزاف خزائن الدولة الإيرانية بسرعة، مما أجبر إيران على تحويل فائض تجاري قدره 6.1 مليار دولار في عام 2019 إلى عجز تجاري يبلغ حوالي 3.5 مليار دولار بحلول عام 2020. وعلى الرغم من أن إدارة بايدن لم ترفع العقوبات المفروضة على عهد ترامب، إلا أنها لم تنفذها بشكل فعال - وهو فشل سمح لإيران بزيادة إيراداتها النفطية بشكل كبير على مدى السنوات الأربع الماضية. وقد تضاعفت آثار هذه الإيرادات في جميع أنحاء المنطقة: باستخدام هذه الأموال، تمكنت إيران من تقديم الدعم المالي لحماس، ولحزب الله، قبل اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر..
من شأن خطة الضغط القصوى أن تجبر الروس على طاولة المفاوضات - وهو أمر ليس لديهم حاليا حافز كبير للقيام به – كما يمكن للولايات المتحدة من فرض تكاليف على خصوم الولايات المتحدة مثل الصين وإيران، اللتين توفران العديد من احتياجات روسيا الحربية.. ولكن هل ستنج تلك الضغوط في اجبار روسيا على التفاوض؟
في حقيقة الأمر روسيا ليست إيران: صحيح أن العقوبات الغربية أنهكت اقتصادها، فضلا عن النزيف العسكري المستمر منذ ثلاث سنوات، بالإضافة الي انسحابها من سوريا في اعقاب سقوط نظام الأسد مما أفقدها قاعدة البحرية الوحيدة في شرق المتوسط، الا أنها مازالت تتمتع بمزايا تفاضلية من ناحية حجم ثروتها التعدينية والنفطية والغذائية كما ان لديها مخزون كبير من الأسلحة النووية. وهناك عنصر اخر لا يقل أهمية عما سبق وهي ان الاستراتيجية بوتين المرنة المتمثلة في استخدام المسيرات الايرانية رخيصة الثمن ومشاركة قوات اجنبية من كوريا الشمالية في الحرب خففت كثيرا من اعبائها على تفاصيل الحياة اليومية في الأقاليم والمدن الروسية.
برغم قسوة العقوبات الغربية والأمريكية علي الروس، الا انهم تعايشوا معها بكل الاريحية، فلم ينهار الاقتصاد ولم تفلس البلاد، بتالي فان أي محاولة اخري لفرض المزيد من العقوبات تصبح غير مجدية على الاطلاق، خاصة بعد ان تمكن الرئيس الروسي، من توسيع مجموعة البريكس العام الماضي، حتى نظام سويفت تم التغلب عليه، اما فيما يتعلق بقطاع النفط الروسي فانه مازال يحقق أرباحا كبيرة من خلال "أوبك بلاس"..
علي كل الأحوال، فان أوراق ترامب الفعلية لإنهاء هذا الصراع لن تكون بأي حال من الأحوال من ضمنها سلاح العقوبات الذي اثبت فشله طوال السنوات الماضية، ويبقي حرفية ترامب في ابرام وعقد الصفقات التي ستمنح روسيا جزء كبيرا من الانتصار والمتمثل في الاحتفاظ في الأراضي التي احتلتها مع منحها حكما ذاتيا مقابل ان تتحول أوكرانيا الي دولة محايدة.
سيتعين على إدارة ترامب دفع صفقة صعبة تتطلب التزاما طويل الأجل وقناعة بأن منع روسيا من الفوز بشروط موسكو سيكون ذا قيمة حقيقية للولايات المتحدة. علاوة على ذلك، فإن النتيجة الإيجابية ستتردد صداها إلى ما هو أبعد من أوروبا.. ووسط تزايد عدم الاستقرار الجيوسياسي، فإن تحقيق السلام الدائم في أوكرانيا سيرسل إشارة قوية ليس فقط إلى خصوم الولايات المتحدة، ولكن أيضا إلى العالم بأن الولايات المتحدة قد عادت وبقوة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة