أبيض وأسود
في مسابقة الافلام التسجيلية الطويلة بمهرجان الاسماعيلية الدولي فاز الفيلم المصري بجائزة الاتحاد الدولي للصحافة السينمائية "الفيبريسي" وهو فيلم "وكان مساء وكان صباح يوما واحدا" اخراج يوحنا ناجي ابن الاسكندرية المتخصص في علم الانثربولوجي والذي أتجه للعمل في السينما التسجيلية ، وشارك قبل عامين في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي بفيلم "ولا حاجة ياناجي .. أقفل".
تكونت لجنة تحكيم جائزة الفيبريسي هذا العام من الناقدة البولندية أولا سلوا والمصور الصحفي الايطالي روبرتو بالداساري والناقد المصري الشاب أحمد زكريا بدوي وهو ليس غريبا على قراء "صفحة السينما" بالجمهورية فقد كتب العديد من المقالات في هذه الصفحة.
ينتمي فيلم "وكان مساء .. " - 88 دقيقة - الى السينما الذاتية حيث يتحدث المخرج عن حياته الخاصة ويعود في رحلة فنية تجريبية الى الماضي البعيد في سنوات الطفولة ، ويكتشف المشاهد ذلك في الدقائق الأخيرة من الفيلم عندما يعرض المخرج لقطات من شريط فيديو لعيد ميلاده وهو طفل ويظهر خلاله أفراد من أسرته وبعض أصدقائه ، أما الجزء الأول من الفيلم فقد أستخدم فيه المخرج تقنية الذكاء الاصطناعي في الحديث عن العام الذي جاء فيه الى الحياة ، ثم قدم رؤية خاصة للقيم الانسانية التي تمنى أن تكون مؤثرة وموجودة في العالم بغض النظر عن الصراعات التي تملأ أرجاء المعمورة عبر التاريخ.
أبتعد المخرج يوحنا ناجي عن السرد التقليدي رغم أنه قام بدور الراوي بتعليقه الصوتي المصاحب للصور المتدفقة على الشاشة ، وهو يحكي عن احساسه بالعالم الذي يعيش فيه ويجعل المشاهد يدرك من اللقطات الأولى في الفيلم أن الراوي لم يحقق ماكان يحلم به ، وهو يعاني من الاحباط الذي يرافق الطفل الانطوائي وسط أسرته الكبيرة.
لم تعد السينما التسجيلية أسيرة طريقة وحيدة لتناول موضوعاتها ، حتى أن الفيلم التسجيلي أصبح يشتمل على حوارات وأداءا تمثيليا وكأننا نشاهد فيلما روائيا .. لذلك أصبحت المهرجانات الكبرى تعرض الأفلام التسجيلية الطويلة في المسابقة الرسمية وتنافس الأفلام الروائية على نفس الجوائز وهي ظاهرة لم تكن موجودة قبل عشر سنوات .. لقد أنتزع الفيلم التسجيلي مساحات جديدة من الحرية وأستخدم التحريك واللقطات التسجيلية من أجل أفضل تعبير عن مضمون الفيلم حتى يساهم في الوصول الى المشاهد بصدق وتلقائية .
أعادت جائزة الفيبريسي للفيلم المصري واحدا من التقاليد القديمة في منح الجوائز حيث تذهب جائزة النقاد للأفلام الفنية وفيلم "وكان مساء وكان صباح .. " من تلك النوعية الممتعة وهي ليست جماهيرية لكنها قادرة على البقاء طويلا في الذاكرة .. تستحق لجنة تحكيم الفيبريسي والمخرجة هالة جلال وطاقم العمل معها التهنئة على نجاح مهرجان الاسماعيلية العريق والذي بدأت دورته الأولى عام 1991 .