رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

"ستسيطر الولايات المتحدة على قطاع غزة وسنقوم بعمل معه أيضا. " سنمتلكها وسنكون مسؤولين عن تفكيك جميع القنابل الخطيرة غير المنفجرة والأسلحة الأخرى في الموقع ، وتسوية الموقع والتخلص من المباني المدمرة".
هكذا أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعالم خطته لغزة الأمريكية، أو "ريفيرا الشرق الأوسط"، كما أسماها. كرر مرارا وتكرارا اقتراحه بنقل الفلسطينيين إلى دولة واحدة أو اثنتين أو ثلاث أو أربعة أو خمسة أو سبع أو ثماني أو اثنتي عشرة دولة. وعندما سئل في وقت سابق عما إذا كان سيسمح لسكان غزة بالعودة، قال إنه يأمل في بناء "مكان جميل بما فيه الكفاية" حتى لا يرغبون في العودة. تحدث ترامب مرارا وتكرارا عن "الملكية الأمريكية" للقطاع وقال إنه يتصور "سيطرة طويلة الأمد" من قبل الولايات المتحدة في المنطقة.
يبدو أن ترامب، مازال يعيش في حالة نشوة الانتصار الذى حققه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وكل يوم وربما كل ساعة يخرج الرجل بتصريحات ليست فقط مثيرة وغير واقعية، لكنها أيضا متناقضة.. وأى متابع يمكن أن يلمح ذلك بسهولة، فمرة يقول انه سيشترى قطاع غزة ثم يعود وينفى ، وأخرى يقول انه سيقوم بتهجير الفلسطينيين الى مصر والسعودية والأردن ثم يعود ويقول انه يمكن لهم العودة بعد اعمار القطاع، وثالثة يهدد بقطع المساعدات عن مصر ثم ينفي ماقاله.. وهكذا اصبح من المعتاد انت تتابع قراءة المواقع الخبرية خاصة الامريكية أن يظهر امامك عبارة "عاجل" لتدرك بعدها أنه أحد مفاجآت ترامب قرر أن يلقيها قبل أن يذهب الى سريره.
الأمر المؤكد والبديهي هو الموقف المصرى الراسخ رسوخ الجبال وسبق ان أعلنتها على لسان كل مسئوليها بداية من الرئيس عبد الفتاح السيسي، حتى أصغر مسؤول في الخارجية المصرية.. فالرسالة المصرية واضحة: على الرغم من أهمية العلاقات مع الولايات المتحدة، فإن مصر لن تتخلى عن مبادئها ودورها كمدافع عن المصالح الفلسطينية. علاوة على ذلك، فأن القيادة المصرية تعتقد أن لواشنطن مصلحة واضحة في الحفاظ على العلاقات مع القاهرة، سواء من أجل الحفاظ على معاهدة السلام أو الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. يعزز هذا التقييم ثقة مصر في قدرتها على الصمود في وجه الضغوط الأمريكية. كما ان الدبلوماسية المصرية تمتلك العديد من البدائل الاستراتيجية، للحد من قدرة ترامب على تنفيذ تهديداته… وهذه قضية أخرى قد يأتي ذكرها تفصيلا فيما بعد.
ردود الفعل على أغلب ان لم يكن جميع خطابات ترامب، اغلبها سلبية وبعضها يجلب له المزيد من السخرية والنقد اللاذع، فهو يسعي كما في ولايته الأولى انه قادر على تحقيق معظم تعهداته التي اطلقها أثناء حملته الانتخابية لإثبات للعالم أجمع أن أمريكا قوة عظمى قادرة على صياغة الأجندة العالمية وتنفيذ خططه مهما كانت عواصف الرفض داخليا وخارجيا، وهى سياسة كما سبق وأشرنا في مقال سابق أنها متعلقة بنظرية " المجنون".
لكن تلك النظرية لا تصلح لكل القضايا.. فالمشكلة الفلسطينية هي قضية معقدة وفريدة من نوعها. لا يمكن حلها وفقا للمعايير التاريخية الأوروبية او حتى الامريكية سواء اقتصاديا او عسكريا. فهى ليست إقليمية فقط ولا تشبه النزاعات الأخرى على مستوى العالم، لأنها تتميز بأن طرفي النزاع يتصارعان على قطعة ارض واحدة وكلاهما يمتلكان من الحقوق التاريخية والدينية والاجتماعية ما يمثل ثوابت يصعب تجاوزها او القفز عليها.
وما يشجع ترامب على اطلاق خطته غير المجدية ، حالة الخراب والدمار اليوم في قطاع غزة التي تشير الى القنبلة الديموغرافية يمكن أن تنفجر بجميع مشاكلها الإنسانية والصحية في أي لحظة. صحيح ان الغالبية العظمى من الفلسطينيين يريدون إعادة بناء منازلهم والعمل بكرامة، ولكن يتم التلاعب بهم من قبل قادة يرفعون شعارات دينية لأغراض مالية خاصة.
بالإضافة إلى التعصب الديني، من الواضح أن البطالة والفقر واليأس ستغذي التحريض على الأعمال الإرهابية. حتى لو تم القضاء على حركة حماس، لذا يجب ان تكون خطط اعمار غزة ترتكز على توفير فرص العمل وإنشاء مناطق صناعية والاستثمار في البنية التحتية، وبناء ميناء بحري ومطار دولي والسماح لسكان غزة.
وبهذه الطريقة، من خلال مبادرات ملموسة، سيكون من الممكن تحسين الحياة اليومية لسكان غزة بشكل ملموس، وسينعكس هذا على تحسين وضع إسرائيل اقتصاديا وامنيا.
في الوقت الحالي، تبدو خطة ترامب مبسطة وطوباوية وغير قابلة للتحقيق لأسباب عديدة ومعروفة، لكن تبعا لوجهة نظر رجل مال واعمال يهوى عقد الصفقات، فان الرئيس الأميركي لا يمكن وصفه بالساذج، فهو الوحيد الذى تجاهل كل التحذيرات والتهديدات العربية والغربية بل بعضها من اطراف إسرائيلية وقام بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.. وللأسف لم يحدث شيء كما توقع.
ويبدو أن ترامب قرر ان يقيم نظامه الخاص واستبدال الدبلوماسية الامريكية السابقة التى فشلت في منع اندلاع صراعات واسعة النطاق على مستوى العالم ب "عالم ترامب" الذي سيسير فيه وحيدا على الأقل حتى يثبت نجاحه. ومع ذلك ، لن يكون عالم ترامب جديدا تماما. فعندما قال في خطاب تنصيبه: "يبدأ العصر الذهبي لأمريكا الآن". كان يردد نفس المصطلح الذى ردده الرئيس الأمريكي الخامس والعشرين ويليام ماكينلي الذي حقق نموا اقتصاديا كبيرا وسريع في الولايات المتحدة في نهاية القرن التاسع عشر عن طريق التعريفات الجمركية، وخلال فترته ضمت الولايات المتحدة جزر هاواى وبعد الانتصار في الحرب ضد إسبانيا ، تمكنت أيضا من السيطرة على الفلبين وبورتوريكو وغوام وكوبا. وترامب يعتبر نسخة كربونية سواء بالتعريفات الجمركية التي اعلنها على الصين وكندا والاتحاد الأوروبي ، حتى الرغبة في توسيع الأراضي الأمريكية بضم جرينلاند ، وقناة بنما ، وكندا، والآن ، قطاع غزة.
على كل حال ما يهمنا اليوم هو خطة ترامب لقطاع غزة .. و"السؤال هو هل حالة السيولة الدولية التي نشهدها في النظام العالمي الذي يشهد مرحلة انتقالية طالت كثيرا منذ انهيار حائط برلين ستكون كافية لتمريرتلك الخطة، ام ان الرجل يستهدف نجاحا من نوع ما لينطلق بعدها الى ازمة أخرى مثل أوكرانيا ،وكما نعلم أن الشيطان يكمن في التفاصيل الصغيرة ، وهذه المرة التفاصيل كثيرة ومزعجة، البعض يشير الى ان هدف الرجل الوحيد هو انهاء فكرة حل الدولتين، وهو يسعي لالهاء الجميع بخطة مستحيلة لتحقيق هدف محتمل وهو التخلي عن فكرة الدولة المستقلة مقابل إيجاد شراكات من نوع ما بين سلطة فلسطينية إدارية وإسرائيل.. أم أننا سنصحو يوما وقد تبخر عالم ترامب الافتراضى.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة