طيب القول
هَلَّتْ علينا منذ أيامٍ قلائل ذِكْرَى غالية على قلوب ونفوس كلّ مسلم، ألا وهي ذِكْرَى تحويل القِبْلَة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، استجابَةً لأُمْنِيَّة سيّدنا رسول الله- صلَّى الله عليه وآله وسلّم- الذي كان يدعو رَبَّه في صَلَواته أن يُشَرِّع له قِبْلَة بيتِه الحرام، خاصّة بعد أن هاجَر من مكّة المكرّمة إلى المدينة المنوَّرة، وكان قَبْل الهجْرة يتوجَّه ناحية المسجد الأقصى مُتَّخِذًا الكعبة الحرام بينه وبين الأقصى، لكن بعد الهجرة استحال عليه هذا التوجُّه لوقوع المدينة شمال مكَّة، وظلَّ على هذا الأمر طِيْلَة سِتَّة عشر- أو سبْعة عشر- شهرًا، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: "قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ" (البقرة: 144).
وكان هذا التحويل ترضيَةً لسيّدنا رسول الله، كما كان تَمْحِيْصًا و"غَرْبَلَة" ليَمِيْز اللهُ المؤمنينَ عن المنافقين والكافرين والحاقدين.
وبهذه المناسبة والأيام المباركة التي تُظَلِّلُنا، فما أحوجنا لامتثال دروس وعِبَرِ ذكرى تحويل القِبْلَة، في حياتنا المعاصرة، فنَلْتَمِسَ تحويلا آخر في قِبْلَة حياتنا تجاه القضايا المُعاصرة، وخاصة تلك القضايا المصيرية التي ترتبط بها حياة الأُمَّة العربيّة والإسلاميّة، في أبنائها، هُوِيَّتِها، عقِيْدَتِها، بل مستقبلها كلّه.
فالأخطارُ التي تُحْدِقُ بنا تكادُ تَعْصِفُ بـ"وجود وبقاء" الأُمَّة التي أرادها الله تعالى أن تكون "أُمَّةً وَسَطًا" شاهدةً على جميع الأُمَمِ يومَ العَرْضِ على الخالق عزَّ وجلَّ، "وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً" (البقرة: 143).
وقد تكالبتُ عليها الأُمَمُ بلِ الوحوش التي لا تعرف قيَم الإنسانية والعدالة وإن ادَّعت التَحَضُّر والديمقراطية والحرّيّة في شعارَاتها الزائفة! وهي في الحقيقة لا تعرف إلا منْطِق القوّة والغَلَبَة، فلا حياة لأُمَّةٍ أو شَعْبٍ معهم إلا إذا كان قويًّا، مُهَابَ الجانِب.
لهذا فنحنُ في أمسِّ الحاجة لتكاتفنا وتعاوننا معًا كـ"أُمَّةٍ إسلاميّة" ومعنا كلّ المؤمنين- وليس الأدعياء- بقيم العدالة والإنسانيّة، حتّى نُعِيْدَ ميزان الحقِّ والعدالة إلى وضْعِه الصحيح.
وإرهاصاتُ بل مُبَشِّرَات الوضْع العالمي الجديد، تُشير إلى أن "مِصْرَ" دائمًا وأبدًا، هي القائدُ في هذا المجال، بموقفها الإنساني قَبْل الديني والوطني من المأساة الفلسطينية التي خَلَقَتْها الصهيونيّة العالميّة.
وقد استفاقَت الدول العربية والإسلامية، بل حتى أغلب الدول الأخرى، بعدما استشعرت مخاطر وتهديدات تلك الصهيونيّة على الإنسانيّة جمعاء.
والأيامُ المُقْبِلة "حُبْلَىَ" بالكثير من البُشْرَيَات بانتهاء عصر "القُطْبِ الأوحَدِ" بـ"يدِ مَخَابِيلِه"، فَلَعَلَّها تكون بداية النهاية لـ"غَطْرَسَةِ" القوُّة العُظْمَى.
الأهمُّ في هذه المرحلة هو اصطفافُنا، كـ"دُول وشعوب"، والوقوف في وجه أعداء الإنسانية، ولنتذكَّر الحديثَ الشريفَ الذي يُشير لقِصَّةِ القومِ الذين أرادوا "نَقْبَ" قاع السفينة بدلا من المرور على مَنْ هُمْ في الجزء الأعلى، فالضربُ على يد هؤلاء المُخَرِّبين، فَرْضُ عَيْنٍ على كلِّ "الناس" وليس أتباع عقيدة أو جِنْسٍ بِعَيْنِه.
حفظَ اللهُ الإنسانيّة جمعاء من الشِرْذِمَةِ الخَرْقَاء.