أخطأت إيران في التقدير، ولسنوات، دعم نظام آية الله وكلائه مثل حماس وحزب الله والأسد والحوثيين اليمنيين بموارد مالية هائلة - على أمل القضاء على "الشيطان إسرائيل" من المنطقة. ولكن يبدو الآن كما لو أن النظام الإيراني قد فقد بيادقه على رقعة الشطرنج ويجب أن يمضي بمفرده الى وضع جديد لم يكن يتصوره او يتخيله حتى في أسوأ كوابيسه.
الان انتهى او كاد حزب الله في لبنان، وسقط نظام بشار الأسد في سورية الذي كان بالنسبة له بمثابة شريان الحياة الأكثر أهمية، وقبلهما تعاني حركة حماس من انهيار وشيك في قطاع غزة، وبقي حتى اللحظة الميليشيات الحوثية في اليمن.
الموقف بعد أربعة عشر شهرا من الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023، يتراوح بين وقف إطلاق النار مؤقت في لبنان، فيما يتراجع القتال في قطاع غزة، وانخفضت عدد الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل من العراق، لكن الحوثيين في اليمن لا يتوقفون.
طوال الفترة الماضية، كان الحوثيون على خط واحد مع إيران على الرغم من اختلاف المنهج الدينى. الإيرانيون هم من الجعفريين الشيعة، في حين أن الحوثيين هم من الزيديين. والعلاقة بين الاثنين ليست تحالفا طبيعيا، ولكنها اشبه ما يكون بالتوافق على اغلب القضايا وليس جميعها، ووفقا للمصالح المتداخلة والعداء المشترك للغرب بشكل عام، والولايات المتحدة وإسرائيل بشكل خاص، لذلك فإنه تأثير طهران على الحوثيين سيكون مرتبط بشكل وثيق بمقتضيات الوضع الراهن في اليمن وموازين القوي الداخلية التي تميل حتى الان لصالح الحوثيين، ولا ينبغي ان يتوقع البعض ان يكون القرار السياسي الصادر من طهران ملزما لحلفائهم في اليمن.
وهذا ما نراه حاليا، فتقريبا هدأت اغلب الجبهات باستثناء الصواريخ القادمة من اليمن تجاه المدن الإسرائيلية، وكأن الحوثيون يريدون ان يؤكدوا للجميع انهم ليسوا كحزب الله في لبنان وهم مستقلين سياسيا عن إيران، حتى لو لم تتطابق مواقفهما بالضرورة مع بعض ولهم مصالحهم الخاصة التي يجب ان تكون محور أي مفاوضات مع صنعاء فقط وليس في طهران او أي عاصمة اخري. حتى انه عندما تم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع حزب الله قبل شهر برعاية فرنسية، أعلن المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي أن "المقاومة" ستستمر، فهي الهدف الأعلى فيما يتعلق بإيران. وهناك فترات تهدئة تكتيكية، والتي قد تنطبق أحيانا على جميع اذرعتها وأحيانا على البعض فقط.
على عكس الاذرع الإيرانية الأخرى، فمنذ بدء الحرب في السابع من اكتوبر، خلق الحوثيون تهديدا عالميا. مكنهم موقعهم الاستراتيجي شمال مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يمر من خلاله 14٪ من التجارة العالمية المنقولة بحرا، من تعطيل حركة المرور البحرية في المنطقة، وأجبر التهديد للممرات البحرية السفن على الإبحار حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح، بدلا من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، مما أدى إلى إطالة سلاسل التوريد لمدة أسبوعين على الأقل. وتضررت مصر، التي تستمد في الأوقات العادية 2٪ من ناتجها المحلي الإجمالي من رسوم قناة السويس، بشدة. قال رئيس هيئة قناة السويس إن الإيرادات من القناة في السنة المالية 2023-2024 بلغ إجماليها 7.2 مليار دولار، أي أقل بكثير من إجمالي 9.4 مليار دولار في العام السابق.
سيظل الحوثيون يشكلون تهديدا أمنيا عالميا لعدة أسباب: سيطرتهم على مضيق باب المندب مدخل البحر الاحمر؛ وتواجدهم جغرافيا بالقرب من مصادر انتاج النفط، وامتلاكهم مخزون غير معلوم من الصواريخ الباليستية التي يمكن ان يصل مداها الي ما يقرب من ٣ الاف كليو متر، فضلا عن دعم إيراني غير محدود وطرق تموين يصعب السيطرة عليها، وأخيرا طبيعة جغرافية جبلية لا يدركها سوي اليمنيين فقط كفيلة بحمايتهم من الهجمات الجوية.
الحوثيون هم أيضا عنصر عدم استقرار داخل اليمن نفسه. فالحكومة اليمنية التي يعترف بها المجتمع الدولي تقيم في عدن. ووفقا للبنك الدولي، فقد اليمن في النصف الأول من عام 2024 42٪ من إيراداته. وأدى الضرر الذي لحق بصادرات النفط والاعتماد على المنتجات المستوردة إلى انخفاض قيمة الريال اليمني من 1619 إلى الدولار الأمريكي في يناير إلى 1917 في أغسطس. هناك تقارير عن نقص الغذاء في بعض مناطق البلاد. ووفقا لصندوق النقد الدولي، سينكمش الناتج المحلي الإجمالي لليمن بنسبة 1٪ في عام 2024، بعد انكماشه بنسبة 2٪ في العام الماضي.
وهناك عنصر آخر يجب مراعاته وهو الجغرافيا: الحوثيون بيعدون عن إسرائيل بحوالي ٢٠٠٠ كيلومتر، ويمتد اليمن على مساحة شاسعة وليس لدى إسرائيل خبرة سابقة في العمليات العسكرية في تلك المنطقة التي تنطوي على أوقات طيران طويلة وتضاريس غير مألوفة. كما انها تفتقر الي بنية معلوماتية واستخباراتية عن هذا البلد بعكس لبنان وحزب الله وحماس. ورغم ان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعهد أكثر من مرة بأن يدفع الحوثيون ثمنا باهظا لهجماتهم. الا انه حتى الآن، لم تلحق الضربات الإسرائيلية على القواعد والأهداف العسكرية الحوثية في اليمن هزائم كبيرة على قيادتها. فيما يواصل عبد الملك الحوثي والمتحدث باسم الحوثي، في ظهورهما الغريب والمبهج، ويعلنان توجيه تهديدات مباشرة ضد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وخاصة إسرائيل.
إلى أن يتحقق وقف كامل لإطلاق النار في غزة، من المتوقع أن تستمر إيران في تزويد الحوثيين ليس فقط بالأسلحة والمعدات العسكرية، ولكن أيضا بتوجيهات للإصرار على هجماتهم على إسرائيل. والآن، تنتظر إسرائيل وإيران وصنعاء تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، علي امل ان تكون الإدارة الجديدة لديها رؤية او صفقة محتملة تعيد الهدوء الي المنطقة او تفتح الطريق امام التخطط لهجوم حاسم ضد الحوثيين وفرض حصار بحري وجوي على اليمن لقطع طريق التهريب الإيراني الذي يغذيه ويبعث برسالة قوية إلى ملالي إيران الذين يعانون بعد الضربات التي تعرضوا لها داخليا وخارجيا. ويبقي السؤال ما هو الهدف النهائي للحوثيين؟ وماذا سيفعل 50 إلى 100 ألف مقاتل مسلح في صنعاء إذا وافقت إسرائيل وحماس على وقف إطلاق النار؟ الإجابة الوحيدة هي امتلاك الشرعية للسيطرة على كل اليمن.