رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

من الألف إلى الياء

وحتي كتابة هذه السطور ، وبمشاعر متباينة بين التألم والتدبر والمراقبة والتأمل وشيء من الشماتة والتشفي، وكما تابع أبناء الدنيا مشاهد الخراب والدمار في غزة ولبنان بأيدي البشر يتابع أبناء المعمورة مشهدا مغايرا من مشاهد الكوارث الطبيعية المؤلمة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، حيث الجحيم المستعر لحرائق لوس أنجلوس التي أتت علي الأخضر واليابس..
نعم ..هي مأساة إنسانية وبيئية بكل المقاييس لا تحتمل الشماتة ولكنها تحمل الكثير من فيض الرسائل الإلهية والإشارات الكونية لجميع سكان الأرض في مشارقها، ومغاربها حول أهمية التوقف لالتقاط الأنفاس ومراجعة المواقف السياسية والبيئية والإنسانية وما آلت إليه قضايا حقوق الإنسان، وعلي رأس القائمة وبطبيعة الحال الولايات المتحدة الأمريكية.

جحيم لوس أنجلوس أيضا وإن بدا طبيعيا، فمرجعه أيادي البشر بما اقترفته من جور وإفساد وعبث بمقدرات البيئة الإنسانية وتوازناتها الطبيعية، وبما نتج عنه من تداعيات وتغيرات مناخية موجعة.

وبين عشية وضحاها وفي أيام قليلة التهمت حرائق الغابات في لوس أنجلوس عشرات الملايين من الأشجار، وآلاف المنازل تجاوز عددها 12 ألفا، ودمرت البنية التحتية وتحولت مقاطعات ومدن وقري إلي أكوام من الرماد والأطلال وقدرت الخسائر المادية بصورة مبدئية، بما يزيد عن 150 مليار دولار أمريكي.
وقد تفوقت الحرائق الجهنمية الطبيعية على خيال "هوليوود"، والتي نالت نصيبا وافرا من الدمار والهلاك غير المسبوق ..

وقبيل أيام من تسلمه مقعد الرئاسة من جديد وصف ترامب أضرار الحرائق في لوس أنجلوس بأنها "أشبه وربما أكبر مما لو تعرضوا لضربة نووية"
وبحسب قوله" فإنه بصرف النظر عن ذلك، فإن الدمار الهائل وفقدان الأرواح أسوأ بكثير مما نراه على شاشات التلفزيون".
وأضاف واصفا حجم الكارثة "لم أر شيئا قط كهذا..أميال وأميال شاسعة من المنازل احترقت تماما.. لا يوجد شيء قائم. وسيجدون العديد من الجثث والقتلي، وكما تعلمون ربما فقط سيجدون الكلاب، أليس كذلك؟".
كما أشار ترامب إلى أن المأساة بأكملها كان من الممكن منعها.
وقال: "كما تعلمون، عندما كنت رئيسا، طالبت هذا الرجل الحاكم بقبول المياه القادمة من الشمال من أعلى كندا.. تتدفق مباشرة عبر لوس أنجلوس.. كميات هائلة قادمة من الجبال، من ذوبان الجليد، حتى خلال الصيف، إنه تدفق طبيعي للمياه، وكان لديهم الكثير من المياه لدرجة أنهم لم يكونوا ليعرفوا ماذا يفعلون بها، ولم تكن لتندلع الحرائق أبدا".

وقال حاكم ولاية كاليفورنيا الأمريكية، "غافين نيوسوم" لشبكة NBC قبل يومين :إن حرائق الغابات التي تشتعل في لوس أنجلوس جنوب كاليفورنيا، قد تكون أسوأ كارثة طبيعية في تاريخ الولايات المتحدة، مع ارتفاع عدد القتلى إلى 24، وسط مخاوف من عودة الرياح !.

وعن التفسير العلمي لهذه الظاهرة يري د.عباس شراقي أستاذ الچيولوچيا والموارد المائية بجامعة القاهرة أن التقلبات المناخية فى السنوات الأخيرة وارتفاع الحرارة نسبيا، والجفاف وفقدان الغطاء الثلجي وقلة الأمطار من أهم أسباب الكارثة.
وأشار في تصريحات صحفية إلي أن حرائق الغابات هي أحد أنواع الكوارث الطبيعية فى كثير من المناطق الأمريكية خاصة غرب الولايات فى كاليفورنيا ومنها لوس أنجلوس مثل الزلازل، والفيضانات، والانهيارات الطميية، والبراكين، والعواصف والأعاصير.

وتابع : إن حرائق الغابات فى الولايات المتحدة الأمريكية تحدث غالبا أثناء فترات الجفاف، وهى متكررة حيث يصل متوسط عدد الحرائق إلى أكثر من 8 آلاف حريق سنويا، تحرق حوالى مليون فدان.
وأضاف د. شراقي أن أسباب الحرائق معظمها طبيعى عن طريق البرق، وأحيانا عن طريق النشاط البشري مثل إلقاء سجائر غير منطفئة، أو احتراق أجهزة كهربائية، أو ارتفاع درجة حرارة السيارات، أو من شبكة نقل وتوزيع الكهرباء، أو حفلات شوى اللحوم فى المناطق الشجرية، و أحيانا الحرق العمد!.
كما أشار إلى أنه ومنذ أوائل الألفية الجديدة، أصبحت حرائق الغابات في كاليفورنيا أكثر خطورة بسبب تراكم الأخشاب في الغابات، وزيادة عدد السكان.
كما ساعد على سرعة انتشار حرائق لوس أنجلوس الحالية انخفاض الأمطار منذ أكتوبر الماضى، وقوة الرياح التى تسمى "سانتا آنا" Santa Ana ، أحيانا تسمى رياح الشيطان أو الرياح الحمراء لما تسببه من انتشار الحرائق بسرعة كبيرة، كما أنها تساعد على زيادة جفاف التربة والأشجار وانخفاض رطوبة الهواء الذى يعتبر مفتاح اندلاع الحريق الأولي حيث يكون الهواء جافا في البداية بسبب المواقع الجافة التي نشأ منها، ويزداد جفافا فى اتجاهه نحو الجبال، وتراوحت سرعة رياح "سانتا آنا" القوية بين 90 - 160 كم/ساعة خلال الأيام الماضية والتى هبت من الشرق إلى الغرب، أى من مناطق الغابات إلى المناطق السكنية، وانتشرت الحرائق فى أماكن متفرقة بإجمالى مساحة تزيد عن 35 ألف فدان، مما تسبب في احتراق آلاف المنازل، وإخلاء أكثر من 150 ألف مواطن، وخسائر بعشرات المليارات من الدولارات.

وكعادة أبناء الدنيا، فقد اختلفوا في تفسير آيات السماء وإشاراتها المتتابعة وكثر الجدل والتحليل حول الأسباب الحقيقية لحرائق الغابات في كاليفورنيا ومن قبلها نكبة إعصار "ميلتون" المدمر بولاية فلوريدا الأمريكية قبل ثلاثة أشهر..
البعض يري أن جحيم لوس أنجلوس انتقام السماء، أو بالأحرى غضبة الحق بإشاراته الكونية وآياته البينة، ورسائل الخالق سبحانه وتعالى لأهل الدنيا عقابا لأمريكا وأنصارها باعتبارها الراعي الأساسي لإسرائيل التي تجردت من كافة القيم الإنسانية والأخلاقية في حربها في غزة ولبنان.
وآخرون يؤكدون أنها استجابة لدعوات عشرات الآلاف من المشردين والثكلي والأبرياء، وكما توعد "ترامب" بفتح أبواب الجحيم في الشرق الأوسط انتصارا لأسري الكيان الصهيوني ولمن يعارض سياساتها، فقد جاءه الجحيم في عقر داره!.
وآخرون يرون أن أمريكا تدفع ثمن الاستهانة بالمأزق البيئي، وهي من أكبر الدول الصناعية صاحبة النصيب الأكبر في الانبعاثات الكربونية، ومن ثم مضاعفة الآثار السلبية للتغيرات المناخية، كما أعلنت انسحابها من اتفاقية باريس حول المناخ في مؤتمر كوب 21 ، علاوة علي تباطؤها في دفع تكلفة الهدر البيئي، والمساهمة صندوق الأضرار البيئية.
كما تحدث مواطنون أمريكيون عن نظرية "المؤامرة"، وتعمد البعض إهمال الحرائق واستثمار الظروف الطبيعية لتحقيق أغراض سياسية!.

وبعيدا عن مدي خطأ أو صواب هذه التفسيرات
وانطلاقا من الإعتبارات الإنسانية والعقيدية، ومع هذه التداعيات المؤلمة للعدوان علي القيم الإنسانية، وعلي البيئة الطبيعية، في اعتقادي أنه بات من منطق الحكمة الدعوة لوقف هذا الجموح والتوافق حول هدنة دهرية لوقف الحروب والنزاعات والصراعات من خلال مابقي لدي أبناء المعمورة من منظمات ومؤسسات أممية، والدعوة إلي إحلال السلام وتعزيز قيم السماحة والتراحم ولو بصورة مؤقتة كما كان يحدث في الأزمنة الغابرة!.

وإلي أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ويرث الأرض ومن عليها ستظل الرسائل الإلهية لمن أراد أن يعي ويفقه حكمة الحياة والموت والإبتلاءات بكافة صورها ،وأهمية التكامل الإنساني والإسهام في التغيير الإيجابي والمحافظة على الحياة في عالم واحد ومصير واحد.
...
وختاما فقد تحدثت آيات قرآنية عديدة واصفة بكل دقة رسائل وإشارات المولي عز وجل وهو علي كل شيء قدير.
يقول تعالى: { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}. 266: البقرة.
{وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} يوسف: 105.
وقال عزّ وجلّ: {..وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ} المدّثر:31.
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم: 41.
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الأنفال: 25.
{ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} الشورى :30.
{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} الأنعام :65.
صدق الله العظيم ..ولله الأمر من قبل ومن بعد.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة