أقول لكم
تصرخ غزة تحت القصف الإسرائيلي، تبكي وتدمع وتتألم، مشاهد تفطرالقلوب وتدمي العيون لأطفال ونساء وشيوخ لا يجدون الخبزأوالماء يُطاردون بطلقات الرصاص ويسقطون شهداء يكسو وجوههم ابتسامة النصر،لا أحد يستطيع أن يقتل فرحة الفخروالعزة النابعة من القلب، الصافية كهدوء الليل، بعد أن فقدوا الأمان في وطنهم المحاصرمنذ أكثرمن عام وشهرين، فيما تسابق الجهود الدبلوماسية الزمن لإنهاء الحرب التي لاتزال نيرانها تشتعل ورائحة الموت والدمارفي كل مكان، البيوت تهدمت والأحلام تبخرت، لكن الأمل لايزال يكسو الوجوه الطيبة التي لم تفقد الإيمان بقضيتها وقدرتها على الصمود في وجه اَلة الحرب التي لم تتوقف، فيما أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أن وفداً إسرائيلياً في مفاوضات إطلاق سراح الأسرى المحتجزين في قطاع غزة،غادرالدوحة وعاد إلى تل أبيب من أجل إجراء مشاورات داخلية ويضم مسؤولين رفيعي المستوى من الموساد وجهاز الأمن العام والجيش الإسرائيلي بعد ثمان أيام من المفاوضات المهمة بشأن مواصلة مفاوضات عودة الأسرى، فيما أعلن المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، أن المفاوضات بشأن غزة مستمرة في الدوحة والقاهرة، ولا يمكن وضع جدول زمني لها، كما زار وفد إسرائيلي رفيع المستوى القاهرة، لبحث التوصل لتهدئة في قطاع غزة، وسط حراك يتواصل منذ فوز الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاز صفقة لإطلاق سراح الرهائن ووقف إطلاق النار بالقطاع المستمرمنذ أكثر من عام ودعم دخول المساعدات، ووقف تدهور الأوضاع في المنطقة، وتسلم الوفد الإسرائيلي قائمة بأسماء الرهائن الأحياء تضم 30 حالة.
السؤال حالياً هل تجهض صفقة غزة المرتقبة مشروع الشرق الأوسط الجديد؟ أرى أن حرب السابع من أكتوبر 2023 تمثل علامة فارقة في الصراع العربي الإسرائيلي الذي بدأ عام 1948 وسطرت تاريخاً جديداً من العزة والكرامة في سجل المقاومة لأنها أجهضت مشروع "الشرق الأوسط الكبير" أو"الجديد" في مخططه الإسرائيلي، إذ تنتظردول كبرى نهاية حرب غزة لبدء محاولات إحداث تغييرفي خرائط الشرق الأوسط على شتى المستويات السياسية والاقتصادية والجغرافية على غرارما حدث بعدهجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تسببت في احتلال واشنطن عدداً من الدول من بينها أفغانستان والعراق، وبدأت هذه الدول تخطط لتنفيذ مخطط « الشرق الأوسط الجديد» عقب اندلاع طوفان الأقصى في السابع من أكتوبرعام 2023 وفق مصالح واشنطن وحليفتها إسرائيل، تأكيداً لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتوعده بتغييروجه منطقة الشرق الأوسط، وهو ما بدأت ملامحه تظهر بسقوط سورية في قبضة هيئة تحريرالشام التي تضم خمسة تنظيمات إرهابية بقيادة أحمد الشرع ومحاولات تقسيم الدولة واحتلال أجزاء منها ما يعني أن المنطقة صارت أمام «سايكس بيكو جديدة»، لكن بات من الصعب تنفيذ هذا المشروع بعد أن أصبحت كثير من دول المنطقة قوية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وتستطيع أن تتصدى لمشروعات التفتيت والتقسيم التي تسعى لتنفيذها بعض الدول الكبرى وتالياً لن تكون قادرة على تغييرخارطة المنطقة، رغم المحاولات الإسرائيلية لاستغلال الحرب في غزة لتصويرها على أنها «هولوكوست ثانية» لتثبيت وجودها في المنطقة والعمل على تغيير خرئطها.
وعقدت اتفاقية سايكس بيكو في عام 1916 بين فرنسا والمملكة المتحدة وروسيا القيصرية لتقسيم منطقة الشرق الأوسط بينهم عقب هزيمة الدولة العثمانية التي كانت تسيطرعلى تلك المنطقة في الحرب العالمية الأولى ووقع عليها الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، وقسمت الاتفاقية فعلياً الولايات العربية العثمانية إلى مناطق تسيطر عليها بريطانيا وفرنسا أو تحت نفوذها فخصصت الاتفاقية لبريطانيا فلسطين والأردن وجنوب العراق ومنطقة صغيرة إضافية تشمل موانئ حيفا وعكا للسماح بالوصول إلى البحرالأبيض المتوسط،أما فرنسا فتسيطرعلى جنوب شرق تركيا وشمال العراق وسوريا ولبنان وتحصل روسيا على أرمينيا الغربية إضافة إلى القسطنطينية والمضائق التركية الموعودة بالفعل بموجب اتفاقية القسطنطينية ووافقت إيطاليا على هذا الاتفاق سنة 1917 بحيث تسيطرعلى جنوب الأناضول، أما مشروع الشرق الأوسط الجديد، يستهدف إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بما يخدم مصالح إسرائيل والدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مستغلاً الصراعات العسكرية والسياسية بين دول المنطقة لتعزيزالنفوذ الإسرائيلي في المنطقة من خلال إعادة تقسيم الدول على غراراتفاقية سايكس بيكو، إذ تحظى إسرائيل بدعم غربي مطلق في المرحلة الراهنة يحفزها على ارتكاب مجازرفي غزة لتحييد الخطرالذي يهدد وجودها. أرى أن وجود الوفد الإسرائيلي في الدوحة لمدة ثمانية أيام متواصلة لبحث صفقة التبادل يعني أننا إقتربنا من أي وقت مضى لإنجازها إذ إنها المرة الأولى التي يمكث فيها الوفد الإسرائيلي في قطر ثمانية أيام متتالية وكانت أطول فترة قبل ذلك يومين أو ثلاثة وهوما يؤكد صحة الأنباء التي تتوارد عن قرب إعلان الصفقة المنتظرة وقبول المقترح المصري لإنجازها خلال الأيام المقبلة أو بحد أقصى منتصف الشهر المقبل رغم محاولات نتنياهوتعطليها إلى حين وصول ترامب إلى البيت الأبيض وتسلمه مقاليد الحكم في 20 يناير المقبل، وتنفذ الصفقة عبرثلاثة مراحل هدنة تصل إلى 60 يوماً، بمعدل يومين مقابل كل أسير إسرائيلي، فيما ستبقي حماس على الضباط والأسرى الأكثر أهمية لجولات أخرى، ويأتي وصول الوفد الإسرائيلي إلى القاهرة بالتزامن مع حديث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في كلمة، أمام الكنيست عن إحراز تقدم في المفاوضات الجارية مع حركة حماس بشأن الرهائن لافتاً إلى أن إسرائيل حققت إنجازات عظيمة عسكرياً على جبهات عدة، وإن الضغط العسكري على حماس دفع قادتها إلى تخفيف مطالبهم السابقة، «وفق حديثه»،وتابع نتنياهو: «لا يمكننا كشف كل ما نقوم به نتخذ إجراءات حتى نعيدهم جميعاً»، وتابع رئيس الوزراء، وسط صيحات الاستهجان من أعضاء المعارضة، أن إسرائيل عززت موقفها «كقوة إقليمية»، مشيراً إلى أن اقتصاد دولته قوي وشجع المستثمرين الأجانب على الاستثمار فيه، وأفاد نتنياهو بأنه طلب من الجيش تدمير البنى التحتية التابعة للحوثيين بعدما أطلقوا صواريخ باتّجاه إسرائيل الأسبوع الماضي، ويقيني أن السؤال الاَن هل يصبح الحوثيين العشاء الأخير لنتنياهو قبل وقف الحرب رغم تهديده المتكرر بضرب البرنامج النووي الإيراني.
في الوقت الذي تتواصل مفاوضات وقف الناربالقاهرة وعودة وفد إسرائيل الذي ضم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي هرتسي هاليفي، ورئيس جهاز الأمن العام الشاباك رونين بار، إلى إسرائيل بعد إحراز تقدم في المحادثات حول اتفاق لإطلاق سراح الرهائن في غزة بعد أن التقيا رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، وسط تفاؤل إسرائيلي حذر بشأن قدرتها على المضي قدماً في صفقة جزئية للإفراج عن الرهائن، النساء والرجال فوق سن الخمسين، والرهائن الذين يعانون من حالة طبية خطيرة، ويسعى الجانبان المصري والإسرائيلي إلى إنهاء الاتفاق في أسرع وقت ممكن وتناولت المباحثات أسماء الأسرى التي يتوقع إدراجها في المرحلة الأولى من الاتفاقية والبنود المدرجة على جدول الأعمال، بما في ذلك المرورعبر معبررفح خلال فترة الاتفاق والترتيبات الأمنية على الحدود بين مصر وقطاع غزة، ويتوقع أن تستضيف القاهرة، الأسبوع المقبل، جولة جديدة من المفاوضات.
تزامنت مباحثات القاهرة مع مباحثات أجراها الوفد الإسرائيلي في قطر، إذ قال رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، إن الزخم عاد إلى هذه المحادثات بعد فوز دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية الأميركية، وثمنت حركة «فتح» الفلسطينية، في بيان صحافي، الاثنين، بـ«الحوار الإيجابي والمثمر الجاري مع الأشقاء في مصر حول حشد الجهود الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والإسراع بإدخال الإغاثة الإنسانية إلى القطاع، وأشار المصدر الفلسطيني إلى زيارة مرتقبة لحركة فتح إلى القاهرة ستكون معنية بمناقشات حول «لجنة الإسناد المجتمعي» لإدارة قطاع غزة التي أعلنت حماس موافقتها عليها، وتتضمن الصفقة المقبلة بين حركة حماس وإسرائيل إطلاق سراح محتجزين إسرائيليين من المرضى وكبار السن والنساء مقابل أسرى فلسطينيين، والسماح بعودة نازحين قطاع غزة دون قيود، والانسحاب الإسرائيلي من محور نتساريم حتى شارع صلاح الدين،على أن يدير معبر رفح من الجانب الفلسطيني موظفون فلسطينيون، وإعادة تشغيله وفقاً لاتفاقية المعابر 2005 دون وجود إسرائيلي، كما تتضمن الصفقة أيضاً الانسحاب الإسرائيلي من غالبية محور فلادلفيا، ونفاذ المساعدات لقطاع غزة خلال 45 يوماً من الهدنة وربما تزيد مع إطلاق عدد من أصحاب الأحكام العالية وسفرهم إلى قطر وتركيا، وأبلغت الحكومة الإسرائيلية عدداً من عائلات المحتجزين، بأن الأيام المقبلة حاسمة في مصير أقاربهم، إذ سيتم إبرام صفقة جزئية محتملة مع حركة حماس، قد لا تتضمن الإفراج عن جميع المحتجزين في المرحة الأولى، وقال مسئول في الحكومة الإسرائلية لأهالي الأسرى «الأيام المقبلة حاسمة في مصير أحبائكم.. نحن نقترب من التوصل إلى اتفاق قد يتضمن الالتزام بالإفراج عنهم»، متوقعاً بألا تبرم صفقة التبادل قبل نهاية عهد الرئيس الأميركي جو بايدن، وقبل وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في 20 يناير المقبل، وأبدت حركة حماس مرونة في المفاوضات إذأبلغت الوسطاء بالموافقة على إبعاد كبار الأسرى الفلسطينيين إلى قطر وتركيا، كما وافقت على الإفراج عن المرضى وكبار السن والمجندات المحتجزين لديها، كما أكدت حماس للوسطاء رفضها وجود أي نقاط تفتيش للسكان عند عودتهم إلى الشمال، وطالبت الوسطاء بتوفير ضمانات دولية بالتزام إسرائيل بمراحل الاتفاق الثلاثة، كما تنازلت عن شرطها بوقف إطلاق النار في المرحلة الأولى.
وفي الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى إطفاء نيران الحرب في غزة يتزايد التوتر في سورية بعد استيلاء هيئة تحريرالشام على الحكم بقيادة قائد العمليات العسكرية أحمد الشرع، إذ قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي تحتل بلاده شريطاً حدودياً من سورية إن على المسلحين الأكراد إلقاء أسلحتهم وإلا فسيُدفنون في الأراضي السورية، وسط أعمال عدائية بين مقاتلين سوريين مدعومين من تركيا والمسلحين الأكراد الذي يطلقون على أنفسهم قوات سورية الديمقراطية « قسد» الذين يسعون لإقامة دولة كردية في شمال سورية قبل سقوط بشارالأسد هذا الشهر، وأضاف إردوغان في البرلمان: «إما أن يلقي القتلة الانفصاليون أسلحتهم وإما فسيُدفنون في الأراضي السورية مع أسلحتهم»، وأضاف أن تركيا ستفتح قنصليتها في حلب قريباً، وأنها تتوقع زيادة في حركة المرور على حدودها في صيف العام المقبل مع بدء عودة بعض الملايين من المهاجرين السوريين الذين تستضيفهم تركيا، فيما تعمل السلطات السورية بقيادة أحمد الشرع على إعداد مذكرة ستقدمها للمحاكم الدولية، تتضمن مطالبة إيران بدفع مئات المليارات من الدولارات، على هيئة تعويضات للشعب والدولة السورية تقدر بـ 300 مليار دولار مقابل ما سببته من ضررللسوريين والبنى التحتية السورية، خلال انحيازها عسكرياً مع فصائل تابعة لها، لصالح نظام الأسد.
وأقول لكم، إن العديد من الدول الغربية والشرقية التي تخطط للدخول في منافسة للسيطرة على دول الشرق الأوسط، في محاولة لتنفيذ مشروع الشرق الاوسط الجديد، لضمان مصالحها في المنطقة بعد انتهاء الحرب في غزة التي يتوقع أن تؤثر نتائجها بشكل مباشرعلى الحرب الاقتصادية الدائرة خصوصاً بين الصين والولايات المتحدة وسط محاولات إسرائيلية لتغييرالواقع القائم في القطاع المحاصر، رغم محاولات الجانب الأميركي منع انفلات الأمور إلى حرب إقليمية قد تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة، باتت على يقين أن غالبية دول المنطقة قادرة على مواجهة هذا المشروع نتيجة قدراتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية لصد أي أجندات خارجية في ظل تفاقم الوضع في سورية وعدم استقراره نتيجة تبعية غالبية القوى السياسية بها لأجندات أمريكية وتركية وروسية وإيرانية وغيرهم، فضلاً عن التنظيمات الدينية والعرقية، إذ تعاني الدولة السورية حالياً من ظاهرة انتشار السلاح في عموم المحافظات بعد عمليات النهب والسرقة من الوحدات العسكرية السورية التي تركت سلاحها ما يزيد فرص الصدام المسلح بين هذه الفصائل، خصوصاً بين الجماعات الإرهابية التي بدأت تتصدر المشهد السياسي للنظام الجديد والتي لايمكن تخليها عن الافكار المتطرفة من جهة، والفصائل الانفصالية من جهة أخرى خصوصاً قوات سورية الديمقراطية الكردية.
أحمد الشامي