تشرفت أمس بحضور احتفال مجلة ((الصين اليوم)) بمرور ٦٠ عامًا على إصدار طبعتها العربية، وهو حدث مهم يُبرز دور الإعلام في تعزيز العلاقات الثقافية والسياسية بين الصين والعالم العربي. منذ تأسيس الطبعة العربية لـ((الصين اليوم)) عام ١٩٦٤، عقب الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس مجلس الدولة الصيني الأسبق تشو أن لاي إلى مصر وعدد من الدول الأفريقية، قدمت المجلة محتوى متميزا يهدف إلى نشر ثقافة الصين وفهم تاريخها وتطورها، مع تسليط الضوء على تطورات العلاقات الصينية- العربية. وهذا المقال يسعى إلى تسليط الضوء على مسيرة هذه المجلة الرائدة، ودورها في بناء الجسور الثقافية بين الصين والدول العربية.
وفي خطوة لتعزيز وجودها في المنطقة العربية، بدأت ((الصين اليوم)) في التعاون مع مؤسسة الأهرام لطباعة المجلة وتوزيعها في مصر منذ عام 1985، ثم تعاونت مع الشركة القومية للتوزيع المصرية لتوزيع المجلة في كافة الدول العربية. ومازالت الطبعة العربية تطبع في مطابع الأهرام، وتتولى مؤسسة ((أخبار اليوم)) توزيعها داخل مصر.
ذكرياتي مع المجلة
أتذكر بهذه المناسبة حينما كنا في سن الطفولة قبل أكثر من خمسين عاما ونذهب إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب بمقره القديم بمنطقة الجزيرة، كنا نشتري الكتب التثقيفية التى تتناسب وسننا آنذاك، وكانت هناك أجنحة مخصصة للدول الأجنبية توزع مجلات باللغة العربية للتعريف بثقافة هذه الدول، وكانت ((الصين اليوم)) باللغة العربية من هذه الإصدارات التى كنا نتعلم منها الكثير عن الصين وثقافتها. وفي حقيقة الأمر، فإن هذه المجلة كانت النواة التى جعلتنا نتعرف على الصين عن قرب، وكنت أتشوق في كل دورة من دورات معرض الكتاب للحصول على نسخ المجلة بشكل سنوي، إلى أن بدأت توزع في أكشاك بيع الصحف بأسعار رمزية. وكذلك بعد أن انخرطت في الشأن الصيني وأصبحت متخصصا فيه منذ بداية دراستى في الصين قبل 25 عامًا، ثم إبان عملي كمستشار إعلامي بالسفارة المصرية بالصين، إلى أن أصبحت أحد الكُتاب فيها.
النشأة والتطور
انطلقت ((الصين اليوم)) في عام ١٩٥٢ كأداة إعلامية تهدف إلى تقديم صورة واقعية ومتوازنة عن الصين. وبعد مرور أكثر من عقد من الزمن، تم إصدار الطبعة العربية للمجلة في عام ١٩٦٤ استجابة للطلب المتزايد في العالم العربي لفهم الصين بشكل أفضل. وكان الهدف من إصدار الطبعة العربية نشر المعلومات الدقيقة حول الصين، وحضارتها، ونظامها السياسي، وإظهار ما تحقق من إنجازات في مختلف المجالات، مثل التنمية الاقتصادية، والتعليم، والعلوم.. إلخ.
في بداية نشأتها، ركزت المجلة على تقديم محتوى إعلامي يسعى إلى تقديم صورة مغايرة للصورة التي كانت سائدة في الإعلام الغربي عن الصين. ومع مرور الوقت، أصبح هذا التوجه جزءا أساسيا في عمل المجلة، حيث اتسمت المقالات بالموضوعية والاحترافية، مما جعلها مصدرا موثوقا للمعلومات حول الصين في العالم العربي.
والحقيقة أن ((الصين اليوم)) شهدت تطورًا كبيرًا على مدار العقود الستة الماضية، وكان هناك دور هام للطبعة العربية لتعريف مصر والدول العربية بالصين، خاصة بعد تدشين المقر الإقليمي للمجلة في القاهرة قبل عشرين عاما. وهنا لا يمكن أن أنسى دور الصديق الإعلامي والمتخصص بالشأن الصيني حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية، والذى ساهم في أن لا يقتصر دور المجلة على كونها وسيلة إعلامية تروّج للصين فحسب، وإنما أيضا أصبحت منصة تبادل ثقافي بين الصين والدول العربية، وتغطي العديد من الموضوعات التي تهم القارئ العربي، مثل السياسة الصينية، الاقتصاد، الثقافة، التعليم، السياحة، البيئة، التكنولوجيا، الذكاء الاصطناعي.. إلخ.
كما اهتمت المجلة بتسليط الضوء على العلاقات الثنائية بين الصين والعالم العربي، وتوسيع نطاق التعاون في مجالات متعددة، بما في ذلك العلوم، التكنولوجيا، والتجارة. وخلال السنوات الأخيرة، وخاصة بعد انطلاق مبادرة "الحزام والطريق"، أصبحت المجلة منبرا رئيسيا للتعريف بالمبادرة وأثرها على منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا.
دور المجلة في تعزيز العلاقات الصينية- العربية
تُعد ((الصين اليوم)) إحدى الأدوات الرئيسية التي ساعدت في تعزيز الفهم المتبادل بين الصين والدول العربية، وتجاوزت دورها كمنصة إعلامية لتصبح جزءا من الإستراتيجية الثقافية والسياسية للعلاقات الصينية- العربية. وبفضل المجلة، أصبح الجمهور العربي قادرا على التعرف عن كثب على السياسة الصينية، وفهم توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية.
ليس هذا فحسب، وإنما أيضا سعت المجلة إلى كسر الحواجز اللغوية والثقافية، مما جعلها إحدى القنوات التي تربط الصين بالعالم العربي. كما لعبت المجلة أيضا دورا مهمًا في الترويج للثقافة الصينية في الدول العربية، وتوثيق الأحداث والإنجازات الصينية الكبرى، مثل إطلاق برنامج الفضاء الصيني، والطفرة الاقتصادية التي شهدتها الصين في العقود الأخيرة.
وعلى مدار ٦٠ عامًا، أثرت ((الصين اليوم)) بشكل إيجابي على الإعلام العربي، حيث أسهمت في تغيير الكثير من المفاهيم السائدة حول الصين. ولعل أحد أهم جوانب تأثيرها هو أنها قدمت وجهة نظر صينية مستقلة بشأن القضايا العالمية والمحلية، مما ساعد على توفير تنوع المصادر في الإعلام العربي.
المستقبل والتحديات
رغم ما حققته ((الصين اليوم)) من نجاحات في تغطية القضايا الصينية للعالم العربي على مدار عقود، فإنها تواجه تحديات في عصر المعلومات الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الإعلام العربي يعتمد بشكل أكبر على الوسائط الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي. لكن لا شك أن المجلة تواصل بذل جهودها للحفاظ على مكانتها كأحد المصادر الموثوقة للمعلومات حول الصين، مع مواكبة التطورات الحديثة في عالم الإعلام.
ختامًا، وفي ذكرى مرور ٦٠ عاما على إصدار طبعتها العربية، يمكن القول إن ((الصين اليوم)) قد أسهمت بفاعلية في تعزيز التواصل الثقافي والإعلامي بين الصين والعالم العربي. فهي ليست مجرد مجلة إعلامية، بل هي جسر من الفهم المتبادل، وكثيرا ما تكون مفتاحا لفهم أعمق للثقافة والسياسة الصينية. وستظل هذه المجلة شاهدا على التاريخ المشترك بين الصين والعالم العربي، وداعما لاستمرار التعاون والتبادل بينهما في المستقبل.
*المستشار الاعلامي المصري السابق ببكين
وكيل الوزارة بهيئة الاستعلامات سابقاً
والخبير بالشأن الصيني
[email protected]